حِكايَةُ الفَجر

مِن أَلفِ هَمٍّ وَقلبُ الحُرِّ يُختَبَرُ

وَمِن جِراحاتِهِ يُستَخلَصُ الخَبَرُ

فَكَم تَجاسَرَ ما يَسفي الظلامُ على

عشِّ البلابلِ... لا يُبقي وَلا يَذَرُ

فَفَقَّسَتْ عن بَناتِ الآه جَمرَتُها

     فَخَلَّفَتْ رِئَةَ الآمالِ تَستَعِرُ

لَم نَندَمِلْ... وَجَمالُ الصبرِ يَنكَؤُنا

حِلماً... وَلا بِاشتِباهِ الرّيحِ نَنكَسِرُ

إِذا تَعَملَقَ ضَبُّ الليلِ... يَرصدُهُ

غَيظُ الصُّقورِ... فَلا يُغنيهِ مُستَتَرُ

أَو خَدَّشَ الصَّمتُ سَمعَ الأَرضِ... زَلزَلَهُم

هَمسُ الورودِ وَطِفلُ الفجرِ وَالنَّهَرُ

فَأَنصَتوا للنَّدى... وَالأَرضُ تَعتَصِرُ

وَفي مُروجِ النِّدا تُستَنشَقُ الغِيَرُ

أَفتى العراقُ الفَتى عَن شَيبَةٍ شَرِبَتْ

لاءَ الحُسينِ... فَلَبّى الماءُ والشَّجَرُ

سَيلٌ أَبى... وَجِبالُ الرَّفضِ تَرفِدُهُ

قد أَتقَنوا سِرَّ عِطرِ الجُرحِ وَانتَشَروا

هَمٌّ تَشَظّى لَظى في طَيِّها نُجُبٌ

شُهْبٌ لَهم في مَداراتِ الفِدا أَثَرُ

العابِرونَ على أَمواجِ لَوعَتِهِم

كم حاوَلَت أَبحُرٌ... لكنَّهم عَبَروا

هُمُ الْمُلَبّونَ... صوتُ الحقِّ كَرَّرَهُم

لِيَقطفوا ما رجالُ اللهِ قد بَذَروا

لا يَعبَؤُونَ بِلَونِ الْمَوتِ... فِكرَتُهُم

طَفِّيَّةُ الطَّيفِ بِالأَحرارِ تُختَصَرُ

وَلَّوا قلوبَهُمُ شَطرَ الإِباءِ، سَرَوا

يُكَبِّلونَ الأَنا... وَالذّاتُ تَنحَسِرُ

تَرَشَّفوا الجُودَ مِن سَلسالِ ساقِيَةٍ

بِكَفِّ (عباس) عَذباً... طَعمُهُ قَمَرُ

فَأَرَّخوا... أَمعَنوا بِالجرحِ... فَانبَعَثوا

صُبحاً على عَتمَةِ التاريخِ يَنهَمِرُ

الحَقُّ وَالصدقُ وَالإِنسانُ يَعرِفُهُم

وَصَولَةُ الوَعدِ وَالبارودُ وَالخطرُ

المؤمنونَ... إِذا ما عاهَدوا صَدَقوا

فَجَدَّدوا أَلَقَ الأَجدادِ، وَابتَكَروا

قَد أَفزَعوا الليلَ لَمّا أَقلَقَتْ صُوَرٌ

قلباً على المهدِ يَشدو هَمَّهُ السَّهَرُ

وَأَظمَأُوا الوَقتَ لَمّا شَهقَةٌ سَكَبَتْ

حَرَّ السِّنين وَما قد زَمَّهُ العُمُرُ

هُم يرسمونَ صَباحاتٍ تُخَضِّبُها

آهاتُ روحٍ معَ الأَضواءِ تَنتَظِرُ

الْمُفتَدونَ شَذا أَنسامِ أَنَّتِها

الْمُغتَدونَ بِما أَهدى لَها السَّحَرُ

يُمارِسونَ جِراحاتٍ تَطيرُ بِهِم

وَسِندِبادُ الرَّدى في إِثْرِهِم حَذِرُ

وَيَنثرون نَواياهُم مُعَمَّدَةً

بِالعشقِ... نَكهَتُها الإِيثارُ وَالظَّفَرُ

لَبَّوا... تُراوِدُهُم دُنيا مُؤَجَّلَةٌ

لا (هَيتَ)... إِذْ غَلَّقوا الآفاقَ وَاعتَذَروا

أَغرَتْ... وَكُلُّهُمُ (طالوتُ)... ما اغتَرَفوا

ما هَزَّهُم قَطُّ فيها رَيِّقٌ عَطِرُ

سُمرُ الوُجوهِ... إِذا ما الشمسُ تَجلِدُها

تَبْيَضُّ عَن أَملٍ فيهِ الغَدُ النَّضِرُ

هُمُ الفراتانِ... لَم يَجرِ الزلالُ سُدىً

حَشدُ الوَلاءِ... فَلا يَعصونَ ما أُمِروا

هُمُ الحقيقةُ إِذْ لا لِلمَجازِ هُنا

فَلا استَبَدَّ بِهِم ظُلمٌ، وَما قُهِروا

هُمُ ابتسامَةُ تَمرٍ واظَبَتْهُ مُنىً

يَسيلُ مِن ظَمَأِ الأَعذاقِ ما ادَّخَروا

تَرافَةُ النَّحلِ... يُعطي مُغدِقاً، وَلَئِنْ

يَغضَبْ فَبِالْمَوتِ - حينَ الجِدِّ - يَأْتَزِرُ

بَراءَةُ النَّملِ... يَبني، لا يَكلُّ وَإِنْ

تَزاحَمَ الأَملُ الْمَنشودُ وَالقَدَرُ

فَسافرَ الضوءُ لا تُثنيهِ زَوبَعَةٌ

بَل مُبدِعٌ سَفَراً إِنْ لَم يَحِنْ سَفَرُ

يُغازِلُ الليلُ في خُطواتِ رِحلَتِهِم

نَجماً يَطوفُ بِمَن بِالْمَوتِ مُعتَمِرُ

الغائِظونَ العِدا، وَالْمُؤْنِسونَ الرَّدى

وَالهاطِلونَ الفِدا، عَينُ النَّدى، الصُّبُرُ

هُنا يُترجَمُ نَذرُ الأَوفياءِ... وقد

أَمسى يُؤَبجِدُ بَوحُ الجرحِ ما نَذَروا

أَوفى العَزيزُ لِمَن في رَحْلِ ثَورَتِهِم

بِضاعةُ الْحُرِّ وَالْهَمُّ الذي احتَكَروا

باتوا على بُعدِ جرحٍ لُغزَ صاعِقَةٍ

فَأَرعَدَ الفَجرُ: أَنَّ النَّزفَ مُنتَصِرُ