وصيّة
النص الفائز بالمركز العاشر في مسابقة الإمامة الثانية

وَصلنا في حدود السابعة مساء، سحبتُ الحقيبة الجلديّة السوداء بتمهل، أصرّت أمي أن نذهب لبيت جدي لأبي قبل الذهاب لبيت أهلها. فأشرتُ للسائق أن يذهب، وقفت أمي بجانبي تختنق بعبرة ساخنة و تكفكف دموعها بصمت وحسرة، أخيرا نحن قبالة البيت. بيت جدي الذي طالما روت لي أمي عنه الحكايات الطويلة، هي لا تعرف عن ساكنيه شيئا منذ 24عاما بالتمام والكمال، فقد هاجرت مع زوجها سرّا عام 1979، هربا من القمع وحملات الإبادة التي طالت الكثيرين، وكان الخروج هو الحلّ الوحيد، استقرت في أستراليا بعد رحلة تهجير شاقة وطويلة لا يمكن اختزالها بجمل أبدا، وهناك بنت حياتها مع أبي وأنجبتني عام 1981، ولم تكن تستطع أن تتواصل مع أحد هنا لأسباب كثيرة أولها خوفها على أهل زوجها لحراجة موقفهم كون جدي أحد وجوه المدينة الكبار، فضلا عن كونه رجل علم له مؤلفات مطبوعة كثيرة ومن المؤكد إنّه تحت أنظارهم ليل نهار . ولأنّه رجل كبير في السن فقد هجست إنه متوفى، على الرغم من إن الأمل كان يجرّها إلى بقعة ضوء ساطعة سرعان ما تلاشت حينما خرج لنا صبي لمحت فيه أمي ملامح أهلها، فسألته بودّ هل الشيخ موجود ؟، فصمت الصبي مُستغربا، ثم سألته عن أم علي، فقال الصبي وهو يشير إلى داخل الرواق المضاء بمصبح نيوني أبيض: نعم... هناك تصلّي .

هرعت أمي راكضة وبقيت انتظر قرب عتبة الباب، فسمعت صوت بكاء عال، وضجة كبيرة، اختلطت الأصوات والمشاعر، ميزت بعض العبارات، لم أفهم بعضها، عادت أمي وهي تسحب في يدها عجوزا في عقدها الثامن وقالت وكأنّها تدلها على كنز نادر: عمتي هذا ابني .!!

احتضنتني العجوز بقوة، تشبعت رئتي برائحة ماء الورد الفاغمة، لم يكن بوسعي تلك اللحظات إلاّ أن استرجع حكايات أمي وأبي، فقد رسموا بالكلمات وجوه أهلهم فردا فردا، جدي وجدتي وعمّاتي .. خالاتي وأخوالي ..وجه جدي الذي كان أبي يحتفظ له بصورة صغيرة جدا غير واضحة المعالم .

كان البيت من الداخل أكبر بكثير ممّا يبدو عليه بابه الصغير المتهالك، غرف كثيرة تتناثر حول صالة واسعة، بينما كانت المكتبة الكبيرة تشغل مساحة غرفتين، هالني عدد الكتب وترتبيها الغريب وأثاثها الذي لم ألفه، فقد فرشت بسجاد مورّد لامع، تتوسطها منضدة واطئة، صفّت عليها كتب وأوراق كثيرة ومقلمة من الخزف المذهّب فيها مجموعة كبيرة من أقلام الجاف والرصاص وقد بدت وكأنّ صاحبها قد غادرها قبل قليل .

لم تكن لغتي العربية التي تعلمتها في البيت تسمح لي بالقراءة بطلاقة لذا بدأت أتصفّح الكتب وأعيدها إلى أماكنها بهدوء وحذر، أدهشني الخط العربي وطريقة زخرفة عنوانات الكتب شعرت إنه خطّ حي يختلف عن الخط الاسترالي الكالح، ثمّة لمحات فنية فيه وحيويّة وحركة ملفتة للنظر .

اللية الأولى في بيت جدي، انتهت ببكاء مرّ أجهشت به أمي لمرات ومرات لما علمت بتأريخ وفاة جدي وتواريخ أخرى لوفيات أفراد من العائلة، طلبت منهم إن أنام في المساحة الفارغة في المكتبة، شعرت بسكينة جارفة وأنا أتأمّل صور جدي الكثيرة التي تهجع بسكون على الجداران، وجهه الحنون، عيونه الواسعة، ملابسه الجميلة التي أراها لأوّل مرة، بحثت عن شبه يجمعنا، غفوت وأنا أنظر لوجهه الذي شعرت به يكلمني.

صباح اليوم الثاني، كان تقبّلي للمكان مختلفا إذ شعرت بألفة أكبر، قالت جدتي إنه رحمه الله ترك مسودّة لكتاب كان يروم تأليفه، وقامت بتثاقل نحو زاوية من المكتبة، وأخرجت أوراقا مطويّة بعناية ووضعتها أمامي على الطاولة، ثم قالت وكأنها تذكرت شيئا، ترك لك وصيّة، كان يشعر إنك ستأتي ذات يوم، ثمّ نظرت بتساؤل في وجه أمي: (هل يقرأ حفيدي اللغة العربية؟)

 

ورقة (1)

مسودّة من عشرة أسطر كُتِبت بقلم حبر غامق، عليها شطب وتبديل لكلمتين فقط، وبها عنوان فرعي ( توطئة).

اعلم إنّك وريث مدرسة فكريّة عظيمة، عنوانها السلام والمحبّة، وتقبّل الآخر، والتفهم، لا ترفض واقعك أو مجتمعك بل تقبّله وتعلّم منه، ثم كن أنت ولا تكن غيرك. 

كن أنت بهويتك التي تحدّدها وتحبّها، وعش حياتك وكأنك تؤدي امتحانا مصيريّا لابدّ أن تنجح فيه.

هويتك يجب أن تنبع من داخلك، لا تستصغر ما تعلمته ولا تراه صنما تعبده، بل حاوره دائما واعبر نحو وعي جديد، ولكن حذاري، حذاري من أن تنتزع روحك من غرينها .

 

مرّ رمضان علينا أنا وجدتك، وكأنّه دهر، نحن لانسمع فيه غير صدى الصمت، وحدنا في هذا البيت الواسع، لا يؤنس وحشتنا إلاّ صدى الذكريات التي كان ينثرها ابننا الوحيد رعاه الله وفرّج عنه كربته وغربته وأعاده لنا وقرّ أعيننا به وبذريته.

 

ورقة(2)

مسودة سبعة أسطر فقط، كُتِبت بالقلم نفسه من دون شطب .وبها عنوان كتب بخط عريض (مقدمة) 

وأنا أخطو نحو مصيري المحتوم، وأرى أيامي المتثاقلة تذوب بصمت في نهر الزمن الجاري، أشعر برغبة عارمة أن أترك هذا الكتاب، الذي أتمنى أن أنجزه بأسرع وقت

فبفضل الله وقوته سأبدأ بتدبيج السطور الأولى من كتابي الجديد: (لمحات من حياة الإمام الحسن العسكري) سأحاول فيه شرح مواقف من حياة الإمام وقراءتها على وفق ما نجده اليوم من مفاهيم حديثة ... فطالما أيقنت ووثقت أن حياة الإمام والأئمة جميعا تصلح لتكون خطابا عصريّا لما احتوته من مواقف عميقة وأجوبة شافية تناغم العقل السليم والفطرة البشرية.

فمرور السنوات وتغير الأمكنة والأزمنة، لا يغير ما تضمّنته حياتهم من إشارات للخواص والعوام بلزوم خطهم ومنهجهم وسيرتهم .

فلا هداية أوضح من شموسهم المضيئة وسيرهم العظيمة .

 

ورقة (3)

مكتوبة بقلم مغاير وبها عنوان خُطّ بلون غامق (ما كشف عن عظم نبي إلاّ وهطلت السماء بالمطر) 

حينما جفّ قلب الغرين وتقحطت جوانح الرمل وتيبّست أعطافه وصارت تشتهي ودقا يزورها وتحلم بظلال غيمة يمرّ على سبخها الحرّاق، صاح المنادي أيها الناس عليكم بصلاة الاستسقاء، فصلّى كثر، رغبة ورهبة لكن القطر يعلم متى يهطل ومتى يستجيب، أعادوا صلاتهم ثلاثا، فما زادت السماء إلاّ تجهّما، وما زادت الأرض إلاّ تشقّقا، في اليوم الرابع خرج (الجاثليق ) ومعه أتباعه من الرهبان فمدّ أحدهم يده بالدعاء فأمطرت السماء!

فشك من في قلبه زيغ وهوى، كان الإمام لحظتئذ في السجن، جاء حاجب الخليفة يصرخ (شكّ الناس في الدين)..كيف تستجب الغيوم لهم ولا تستجب لنا، فأخرجوا الإمام، وحينما رفع الجاثليق يده بالدعاء أمر الإمام أحد أتباعه فوجد الرجل يضع بين أصابعه عظمة سوداء عتيقة، بغفلة عن الناظرين! 

فلما سحب العظم من بين أصابعه، سكن المطر.

 

الورقة (4)

تتكون من أربعة أسطر فقط، كُتبت بخط مُنمّق، وقد بدت وكأنّها تكملة للوصية التي تركها جدي لي.

هل تعلم كيف تتعلم الصلابة والقوة، وتبتعد عن الشعور بالنقص، عندما تتعلم تأريخك الحقيقي، تعود إلى غدرانه الصافية العذبة، ستكون في مأمن عن أي كبوة، أنا الآن قلق عليك فأنت في بلاد غربة، بلاد بعيدة جدا عن وطنك، ولكن أنا الآن أكتب بثقة من أنك آت لتقرأ هذا الكلام.

الورقة (5)

تتكون من أربعة أسطر فقط، فيها ما يبدو إنه تفكير بصوت عال عن فصل مقترح عن علاقة الإمام بعلماء عصره وبعض أقوال الإمام.

لقد بلغ عدد طلبة الإمام أكثر من ثمانية عشر ألف طالب، وقد بلغ من المنزلة أنه راجع كتابا للكندي وهو أستاذ الفارابي، فأحرقه الأخير بعد أن اكتشف إنّ ما فيه يخالف الشريعة الاسلامية! 

من أقواله التي تحتاج إلى شرح طويل : ( إذا نشطت القلوب فأودعوها، وإذا نفرت فودّعوها) 

وقال:(اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شرّه) 

 

 الورقة (6)

بها مجموعة من الأسئلة والافتراضات التي يبدو أنه أراد الإجابة عنها. وتتكون من ستة أسطر فقط .

كيف عاش الإمام وسط ذلك البحر المتلاطم من المشاكل، فقد كانت فترة إمامته حافلة بالأحداث الجسام، إذ سيطر الأتراك على مقادير الدولة، وفي عهده ثار العلويون في أماكن متفرقة، فقد ثار الحسن بن زيد العلوي وسيطر على طبرستان، وفي عهد لقي المعتز مصرعه، فنصبوا مكانه المهتدي، الذي قتل هو الآخر فجاء بعده المعتمد .

 

الورقة (7)

بقيت فارغة من دون أي حرف، فقط كانت هناك كلمة في وسطها: (سؤال)

اليوم انتهت إجازتي في بيت جدي، سأعود إلى أستراليا، وسأحمل هذه الأوراق معي، لعلني أستطيع أن أنجز شيئا حولها، تلك الأيام التي قضيتها هنا، على قصرها أرجعتني إلى عالم بعيد، وفكر آخر، ودنيا لم أعشها، أنا الآن مطمئن إلى هدف أشعر به قبالتي.

أريد أن أفهم تلك الأحداث وكيف يمكن أن تنعكس على حياتنا المعاصرة، تلك التربية المثالية التي سعى لها الإمام، وفلسفتها، التحوّل بالإنسان من حالة إلى حالة، جعل المثل العليا هي الغاية التي تسعى إليها النفس البشرية في عروجها الدائم نحو الكمال.

وقفت أمام بيت جدي، كان النهار مشمسا، سحبت الحقيبة الجلدية السوداء بتمهل، نظرت إلى الباب الخشبي العتيق، عليه أثار أصباغ ورقم مكتوب بعشوائية، تقشّر من مواضع عديدة، فظهر لون الخشب الأصلي، اللون القديم، أشرت إلى السائق، لوّحت لجدتي، التي وقفت متكئة على ذراع أمي وكأنها شجرة معمّرة .