النص الفائز بالمركز التاسع في مسابقة الإمامة الثانية
مع بزوغ شمس الصباح، أصبحت أتمايل تحت أولى خيوط الضوء، متفاخرة على أقراني بطولي الميّال وجمالي الأخّاذ، فقد كنت أجمل ريشة على جناح طائر فتّان.
نعم، أنا ريشة أحلق بين الغيوم، أتطلع إلى بديع صنعه تعالى، أسبح بحمده وأقدس له...، ولكنني لم أكن أعلم ما يخبئ لي القدر في ذلك اليوم.
بعد ساعات من طلوع الفجر، جاء رجل طويل القامة، شديد البنية، مقطب الحاجبين، أمسك بالطائر، وبدأ يبحث بين جناحيه، يقلب الريش واحدة تلو الأخرى، وكلما مرّ على ريشة متينة وجميلة اقتلعها من بدن الطائر. حينها تملكّني الخوف، وارتعدت جميع خلاياي، فأنا لا أريد أن تكون هذه نهايتي...
وبينما أنا في هذا الحال شعرت بيده الخشنة تلامسني وتتفقد أوصافي، وكأنه قد أعجب بي، ثم أمسكني بقوة، تمنيت لو كان بإمكانه سماع صراخي واستغاثتي، لا أريد... لا تفعل بي هذا... لا... لا... ولكنه قد انتهى الأمر فاقتلعني بأقل من طرفة عين.
ما فارقني الحزن منذ تلك اللحظات لأمد بعيد إلى أن التقيت بعد فترة بريشات أُخر جميعنا عرضنا للبيع عند تاجر لطيف كان يعتني بنا ويرتبنا، فانتابني الفضول لشدة حرصه على الحفاظ علينا، فسألت إحداهن عما يجول في سريرتي، فأخبرتني بأننا سنكون أقلاما يُسطّر بنا علما، لعله يكون نافعا، فنكون سببا لنشر هذا العلم وانتفاع العالم به.
شعرت حينها بالسرور وكأن عادت لي الحياة، بل سأكون سببا للحياة، أخذت الخواطر تراودني... سيخط بي علما، سأخلد في التاريخ، سينتفع بي الأجيال القادمة...
واستيقظت على صوت رجل حكيم:
- بكم هذا القلم؟
دفع النقود وأخذني معه وكلي تبجح واعتزاز بما سيُفعل بي.
مرت الأيام وأنا تغمرني سعادة لا مثيل لها، لأنني صرت أداة لتخليد العلم، ومما زاد سعادتي هو اطلاعي بمكانة سيدي العلمية، فقد عرفت لاحقا بأنه فيلسوف العراق الكبير يعقوب بن إسحاق الكندي.
لكن هذا الإحساس لم يدم طويلا، فبعد مرور برهة من الزمن، عمد الكندي بتدوين كتاب «تناقض القرآن» للاستدلال أن كتاب الله تعالى فيه تناقضات. وبالفعل قد بدأ بجمع جملة من الآيات القرآنية التي يبدو للناظر فيها من الوهلة الأولى أنها تحمل التناقض، وكان عازما على نشرها.
يوما بعد يوم كان الفزع والارتياع يستفحل بداخلي، فكيف بعبد ضعيف، الوقوف بوجه جبار السماوات والأرض؟!
وكيف لي أن أكون وسيلة لنسخ هذه الأوهام الباطلة؟!
كيف أعدو على الأوراق لأسجل بها ما يغضب الرب؟!
وكيف سأواجه خالقي بهذه الفعلة النكراء؟!
وأنا التي كنت على جناح طائر أسبحه ليل نهار، من فوق الغبراء أو في عنان السماء.
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الإسراء:44
كرهت نفسي، ووددت لو كنت ريشة بيد طفل يرسم بي، أو حتى يلعب ويلهو... بل أكثر من ذلك تمنيت لو أكلتني الديدان، ولو صرت عدما، ولما وصل بي الحال إلى ما أنا عليه الآن.
مرّ أمد بعيد وأنا لا يستقر لي حال، مترقبا الفرج، متوكلا على الله عز وجل لعله يبعث من ينصر كتابه العزيز. وفي أحد الأمسيات العلمية التي كان يقيمها الكندي مع طلبته، تلطف تلميذ في مؤانسة أستاذه، ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك، قال التلميذ:
- قد حضرتني مسألة أسألك عنها، فإنه يستدعي ذلك منك.
- فقال الكندي: اسأل.
- إن أتاك المتكلم بهذا القرآن، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها إنك ذهبت إليها؟
- إنه من الجائز.
- فما يدريك قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فيكون واضعا لغير معانيه؟
- فقال الكندي منبهرا بكلام التلميذ: أعد علي، فأعاد عليه، فتفكر في نفسه ورأى ذلك محتملا في اللغة العربية وسائغا في النظر والفكر.
- فقال: أقسمت عليك إلا أخبرتني من أين لك؟
- إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك.
- كلا، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرفني من أين لك هذا؟
- أمرني به أبو محمد.
- الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت.
ثم إن الكندي دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه.
بدت البهجة تعتري كل فرائصي وفي نفس الوقت أصابني فضول لمعرفة المزيد عن هذه الشخصية العظيمة، ذو الرد الحكيم لأكبر محاولة تخريبية عبر التاريخ، كان الكندي قد تصدى لها.
وقد سمعت فيما بعد من أفواه تلاميذ الكندي عن أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام)وأنه الحادي عشر من أوصياء النبي محمد(صلى الله عليه واله وسلم) خاتم الأنبياء والرسل، والذي سيتحقق العدل الإلهي على يد ولده المنتظر(عليه السلام).
وقد كان أبو محمد يتابع حركة الثقافة في عصره، ويتحرك على كل الاتجاهات المتضادة التي تنطلق في مواجهة الإسلام، فلم يكن خارج نطاق الواقع الثقافي، وهذا ينطلق من مسؤولية الإمام عن تصحيح المسار الإسلامي في كل ما يمكن أن يعرض عليه من الانحرافات .
ومن هنا كان دافع الإمام (عليه السلام)لتصحيح المسار الفكري للفيلسوف الكندي، والحد لما كان يسير عليه، من خلال أسلوب الحوار غير المباشر بواسطة التقرب إليه من قلبه قبل مخاطبة عقله حيث إن أسرع طريق للوصول إلى العقل هو قلب المرء، ثم إلقاء الفكرة إليه على سبيل الاحتمال ليدفعه نحو التأمل، فيصل بذلك إلى ما هو المطلوب بعيدا عن شتّى أنواع العنف أو القساوة.
إذ روى بعض تلامذة الكندي أنه دخل يوما على الإمام العسكري (عليه السلام)، فقال أبو محمد: أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله القرآن؟
فقال التلميذ: نحن من تلامذته، فكيف يجوز لنا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره.
فقال (عليه السلام): أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟
قال: نعم.
قال الإمام: فصر إليه وتلطف في مؤانسته ومعونته، فإذا وقعت الأنسة في ذلك، ألق إليه الفكرة، فإنه رجل يفهم إذا سمع.
وحدث مثلما أراد أبو محمد (عليه السلام)، وكان ذلك باعثا لتراجع الكندي عمّا كان عازما عليه، ويستدل بهذا على الإحاطة التامة للإمام بمختلف الشخصيات وكيفية معاملتهم، ويرشدنا إلى جهاده العلمي من حيث قيامه بمسؤولياته الإسلامية في رد الشبهات، وإقامة الحق عن طريق المناقشة العلمية والجدل الموضوعي.
فصار ذلك الموقف درسا عظيما، تعلمت منه أن مجرد العلم لا يكفينا فخرا، فهناك كثير من العلوم التي لا تضر معرفتها ولا تنفع.
فالعلم الحقيقي هو الذي يوصلنا إلى معرفة خالقنا...، معرفة الهدف الذي خُلقنا من أجله...، معرفة ما نحن فيه الآن وما سنكون عليه بعد رحيلنا من هذه الدنيا، وما سينفعنا لضمان سعادتنا في الدارين.
نعم، هذا هو العلم حقا، وليس الذي يكون سببا لضلال صاحبه وإضلال غيره، وبالتالي يكون سببا للهلاك لا الحياة، وقد عرفت حينها لم يختلف أينما أكون، سواء كنت ريشة على جناح طائر أو قلما بيد عالم، بل المهم كيف أكون...؟
والأهم أن تكون لي رسالة، وأن أترك أثراً وبصمة حيثما وُجِدت.
ريشة على جناح طائر يُذَكِر الناس ببديع خلق الله تعالى فيعظمونه ويشكرونه، أو قلما يُكتَب به علماً يقرب العباد إلى طاعة الرب ويبعدهم عن معصيته.