هدایة المضلل
النص الفائز بالمركز الثامن في مسابقة الإمامة الثانية

فكر في نفسه وأومأ برأسه بالموافقة، كأنه قد وصل إلى شيء؛ عندما رأیت وجهه كما لو أنه قام باكتشاف عظيم. ارتسمت على شفتيه ابتسامة راضية، یهمس مع نفسه ویکتب الأشياء على اوراقه. كنا نجلس أمام أستاذنا ونحن ننحني وننتظر أن يتكلم. فجأة فتح فمه وقال: لقد كتبت كتابًا، كتابًا مهمًا جدًا؛ وفيه كلمات جديدة. هذا الكتاب يمكن أن يغير رأي الكثير من الناس، بل ويغير معتقداتهم. نظرنا إليه جميعًا في صمت ودهشة، وكنا ننتظر معرفة اسم الكتاب. ما هو الكتاب الذي يمكن أن يحدث تحولا هائلا؟ ماذا يوجد في هذا الكتاب الذي تم وصفه بهذه الأهمية؟ في هذه الأثناء فتح فاه مرة أخرى وقال: کتابي تعارضات القرآن. لحظة استغربنا كلنا؛ تعارضات القرآن؟؟ ماذا يقصد؟ في هذا الوقت بدأ يتحدث مرة أخرى وقال: لقد درست القرآن وقرأت آياته؛ هذه الآيات تتعارض مع بعضها البعض وتخالف بعضها البعض. إذن، مع هذه التناقضات لا يمكن أن يكون هذا القرآن كتابًا إلهيًا وسماویا. تظهر هذه التناقضات في هذا الكتاب أن هذا ليس كتابًا سماويًا، بل هو كتاب بشري. صمت جميع الطلاب ولم يجرؤ أحد على الشكوى للأستاذ؛ كيف يتعارض هذا الكتاب الذي نقبله ككتاب سماوي؟ خرج الجميع وهم في حالة شك، وكل واحد منهم كان متفاجئًا وضايعًا في التفكير في كلام الأستاذ.

كنت في حيرة وذهول تام، لم أعرف ماذا أقول؟ لقد غاب السلام والهدوء عن ذهني تمامًا؛ لم أنم بسلام. كيف يقول أستاذنا هذا أن القرآن ليس كتابا إلهيّاً وسماویّاً؟ فكيف يوجد تعارض في هذا الكتاب الذي نعتقد أنه من عند الله؟ بينما نفى القرآن أي تعارض من نفسه وقال: ﴿أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ‏ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثيرا﴾ (النساء/82).

لقد شغلتني هذه الفكرة لساعات وأيام وأزعجت عقلي وفکري. لقد فوجئت وعجزت تمامًا وطلبت من الله العون ودعوت الله أن يزيل عني هذا الشك ويهديني إلى الهدى؛ حتى أعانني الله واستجاب دعائي إنه سميع الدعاء وقد وفقني للوصول إلى خدمة الإمام الحسن العسكري. حين رأيته کان كأنه يعلم كل شيء بإذن الله ويعلم بمشكلتي مع أستاذي؛ ومن دون أن أثير مشكلتي معه، نظر إليّ وقال: «أما فيكم رجل رشيد يردع استأذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله القرآن» ثم قلت: نحن من تلامذته كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أوفى غيره. ثم قال : «أتؤدي إليه ما ألقيه إليك ؟» قلت: نعم. ثم قال الأمام  «فصر إليه وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله فإذا وقعت الأنسَة في ذلك فقال قد حضرتني مسأله أسألك عنها فإنه يستدعي ذلك منك فقل له إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت إليها ؟ فإنه سيقول لك انه من الجائز لأنه رجل يفهم إذا سمع، فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فيكون واضعا لغير معانيه». كان لخطاب الإمام أثر كبير في نفسي وأعطاني أملاً جديداً؛ كان الأمر كما لو أن كل شكوكي التي أثارها أستاذي قد اختفت. لقد نفخت روح الأمل في نفسي. لقد هدّأ الإمام قلبي بكلامه وارتاح ذهني. لكنني علمت أن أستاذنا، فكر بشكل خاطئ وأخطأ. فقلت في نفسي يجب أن أنفذ أمر الإمام كما قال حتى أنقذ أستاذي الكندي من هذا الضلال الواضح. فقلت في نفسي: لا بد أن الإمام كان يعلم بعلمه أن الكندي يمكن أن یرشده وأنه يمكن أن يهتدي. لو لم يكن الأمر هكذا، لما نصحني بالعلاقة الحميمة معه وأخبره بهذه الكلمات. مما لا شك فيه أن آل النبي أعلم وهم حريصون على هداية الناس مثل جدهم. بل إن جدهم رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم). كان حريصًا على هداية الناس، حيث كان في هدي المشركين كما جاء في القرآن: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ‏ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنينَ﴾ (الشعراء: 3) نعم، إن سیرة أهل البيت(عليهم السلام) مثل رسول الله sتقوم على هدى الناس. همست بهذه الكلمات لنفسي وذهبت إلى أستاذي الکندي. كأنني أتوجه إليه بقلب ثابت وعلم قوي. كان الأمر كما لو أنني أصبحت أستاذا وهو تلميذ؛ كان من المفترض أن أرشده بكلمات الإمام.

 لما رجعت إلى أستاذي الكندي، كما أمر الإمام تعاملت معه وحاولت التقرب منه. لما اقتربت منه قلت له نفس ما قاله الإمام؛ فجأة وقع في تفكير عميق، وكأن زلزالاً عظيماً وقع في أفكاره. وبعد تفكير عميق نظر إلي وقال: أقسمت عليك ألا أخبرتني من أين لك ؟ قلت له: انه شئ عرض بقلبي فأوردته عليك، فقال كلا ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة فعرفني من أين لك هذا ؟ ثم أخبرته: امرني به أبو محمد؛ فقال: الآن جئت به وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت، ثم إنه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه. وهكذا غيّر كلام الإمام الشخص المضلل الذي اختار الطريق الخطأ، وهذا هو طريق قادة الأمة...

 

 

 

 

 

  • الفائزة بالمركز التاسع : زهراء محمود جعفر الكاظمي من العراق ، بغداد 

عنوان القصة : رحلتي من جناح طائر

 

مع بزوغ شمس الصباح، أصبحت أتمايل تحت أولى خيوط الضوء، متفاخرة على أقراني بطولي الميّال وجمالي الأخّاذ، فقد كنت أجمل ريشة على جناح طائر فتّان.

نعم، أنا ريشة أحلق بين الغيوم، أتطلع إلى بديع صنعه تعالى، أسبح بحمده وأقدس له...، ولكنني لم أكن أعلم ما يخبئ لي القدر في ذلك اليوم.

بعد ساعات من طلوع الفجر، جاء رجل طويل القامة، شديد البنية، مقطب الحاجبين، أمسك بالطائر، وبدأ يبحث بين جناحيه، يقلب الريش واحدة تلو الأخرى، وكلما مرّ على ريشة متينة وجميلة اقتلعها من بدن الطائر. حينها تملكّني الخوف، وارتعدت جميع خلاياي، فأنا لا أريد أن تكون هذه نهايتي...

وبينما أنا في هذا الحال شعرت بيده الخشنة تلامسني وتتفقد أوصافي، وكأنه قد أعجب بي، ثم أمسكني بقوة، تمنيت لو كان بإمكانه سماع صراخي واستغاثتي، لا أريد... لا تفعل بي هذا... لا... لا... ولكنه قد انتهى الأمر فاقتلعني بأقل من طرفة عين.

ما فارقني الحزن منذ تلك اللحظات لأمد بعيد إلى أن التقيت بعد فترة بريشات أُخر جميعنا عرضنا للبيع عند تاجر لطيف كان يعتني بنا ويرتبنا، فانتابني الفضول لشدة حرصه على الحفاظ علينا، فسألت إحداهن عما يجول في سريرتي، فأخبرتني بأننا سنكون أقلاما يُسطّر بنا علما، لعله يكون نافعا، فنكون سببا لنشر هذا العلم وانتفاع العالم به.

شعرت حينها بالسرور وكأن عادت لي الحياة، بل سأكون سببا للحياة، أخذت الخواطر تراودني... سيخط بي علما، سأخلد في التاريخ، سينتفع بي الأجيال القادمة...

واستيقظت على صوت رجل حكيم:

- بكم هذا القلم؟

دفع النقود وأخذني معه وكلي تبجح واعتزاز بما سيُفعل بي.

مرت الأيام وأنا تغمرني سعادة لا مثيل لها، لأنني صرت أداة لتخليد العلم، ومما زاد سعادتي هو اطلاعي بمكانة سيدي العلمية، فقد عرفت لاحقا بأنه فيلسوف العراق الكبير يعقوب بن إسحاق الكندي. 

لكن هذا الإحساس لم يدم طويلا، فبعد مرور برهة من الزمن، عمد الكندي بتدوين كتاب «تناقض القرآن» للاستدلال أن كتاب الله تعالى فيه تناقضات. وبالفعل قد بدأ بجمع جملة من الآيات القرآنية التي يبدو للناظر فيها من الوهلة الأولى أنها تحمل التناقض، وكان عازما على نشرها.

يوما بعد يوم كان الفزع والارتياع يستفحل بداخلي، فكيف بعبد ضعيف، الوقوف بوجه جبار السماوات والأرض؟!

وكيف لي أن أكون وسيلة لنسخ هذه الأوهام الباطلة؟!

كيف أعدو على الأوراق لأسجل بها ما يغضب الرب؟!

وكيف سأواجه خالقي بهذه الفعلة النكراء؟!

وأنا التي كنت على جناح طائر أسبحه ليل نهار، من فوق الغبراء أو في عنان السماء. 

﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الإسراء:44

كرهت نفسي، ووددت لو كنت ريشة بيد طفل يرسم بي، أو حتى يلعب ويلهو... بل أكثر من ذلك تمنيت لو أكلتني الديدان، ولو صرت عدما، ولما وصل بي الحال إلى ما أنا عليه الآن.

مرّ أمد بعيد وأنا لا يستقر لي حال، مترقبا الفرج، متوكلا على الله عز وجل لعله يبعث من ينصر كتابه العزيز. وفي أحد الأمسيات العلمية التي كان يقيمها الكندي مع طلبته، تلطف تلميذ في مؤانسة أستاذه، ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك، قال التلميذ:

- قد حضرتني مسألة أسألك عنها، فإنه يستدعي ذلك منك.

- فقال الكندي: اسأل.

- إن أتاك المتكلم بهذا القرآن، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها إنك ذهبت إليها؟

- إنه من الجائز.

- فما يدريك قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فيكون واضعا لغير معانيه؟

- فقال الكندي منبهرا بكلام التلميذ: أعد علي، فأعاد عليه، فتفكر في نفسه ورأى ذلك محتملا في اللغة العربية وسائغا في النظر والفكر.

- فقال: أقسمت عليك إلا أخبرتني من أين لك؟

- إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك.

- كلا، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرفني من أين لك هذا؟

- أمرني به أبو محمد.

- الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت.

ثم إن الكندي دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه.

بدت البهجة تعتري كل فرائصي وفي نفس الوقت أصابني فضول لمعرفة المزيد عن هذه الشخصية العظيمة، ذو الرد الحكيم لأكبر محاولة تخريبية عبر التاريخ، كان الكندي قد تصدى لها.

وقد سمعت فيما بعد من أفواه تلاميذ الكندي عن أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام)وأنه الحادي عشر من أوصياء النبي محمد s خاتم الأنبياء والرسل، والذي سيتحقق العدل الإلهي على يد ولده المنتظرf.

وقد كان أبو محمد يتابع حركة الثقافة في عصره، ويتحرك على كل الاتجاهات المتضادة التي تنطلق في مواجهة الإسلام، فلم يكن خارج نطاق الواقع الثقافي، وهذا ينطلق من مسؤولية الإمام عن تصحيح المسار الإسلامي في كل ما يمكن أن يعرض عليه من الانحرافات .

ومن هنا كان دافع الإمام (عليه السلام)لتصحيح المسار الفكري للفيلسوف الكندي، والحد لما كان يسير عليه، من خلال أسلوب الحوار غير المباشر بواسطة التقرب إليه من قلبه قبل مخاطبة عقله حيث إن أسرع طريق للوصول إلى العقل هو قلب المرء، ثم إلقاء الفكرة إليه على سبيل الاحتمال ليدفعه نحو التأمل، فيصل بذلك إلى ما هو المطلوب بعيدا عن شتّى أنواع العنف أو القساوة.

إذ روى بعض تلامذة الكندي أنه دخل يوما على الإمام العسكري g، فقال أبو محمد: أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله القرآن؟

فقال التلميذ: نحن من تلامذته، فكيف يجوز لنا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره.

فقال g: أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟

قال: نعم.

قال الإمام: فصر إليه وتلطف في مؤانسته ومعونته، فإذا وقعت الأنسة في ذلك، ألق إليه الفكرة، فإنه رجل يفهم إذا سمع.

وحدث مثلما أراد أبو محمد g، وكان ذلك باعثا لتراجع الكندي عمّا كان عازما عليه، ويستدل بهذا على الإحاطة التامة للإمام بمختلف الشخصيات وكيفية معاملتهم، ويرشدنا إلى جهاده العلمي من حيث قيامه بمسؤولياته الإسلامية في رد الشبهات، وإقامة الحق عن طريق المناقشة العلمية والجدل الموضوعي.

فصار ذلك الموقف درسا عظيما، تعلمت منه أن مجرد العلم لا يكفينا فخرا، فهناك كثير من العلوم التي لا تضر معرفتها ولا تنفع.

فالعلم الحقيقي هو الذي يوصلنا إلى معرفة خالقنا...، معرفة الهدف الذي خُلقنا من أجله...، معرفة ما نحن فيه الآن وما سنكون عليه بعد رحيلنا من هذه الدنيا، وما سينفعنا لضمان سعادتنا في الدارين.

نعم، هذا هو العلم حقا، وليس الذي يكون سببا لضلال صاحبه وإضلال غيره، وبالتالي يكون سببا للهلاك لا الحياة، وقد عرفت حينها لم يختلف أينما أكون، سواء كنت ريشة على جناح طائر أو قلما بيد عالم، بل المهم كيف أكون...؟

والأهم أن تكون لي رسالة، وأن أترك أثراً وبصمة حيثما وُجِدت.

ريشة على جناح طائر يُذَكِر الناس ببديع خلق الله تعالى فيعظمونه ويشكرونه، أو قلما يُكتَب به علماً يقرب العباد إلى طاعة الرب ويبعدهم عن معصيته.