بيت النور

مكّة، ليلة ٢٠ جمادى الآخرة، السنة الخامسة للبعثة.


   مثل جوادٍ برّيٍّ، يعدو في طُرُقات مكة الكئيبة، يبعثُ خلْفه سَكَنًا ودفئًا، كان النور.

حصانٌ درّيٌّ، يهزّ رأسه فينثر ذرّاتٍ، تشبه جوقة يراعاتٍ، تسكن لثوانٍ، معلَّقةً بين السماءِ والأرض، ثم تنطلق لكلِّ بيتٍ، وغارٍ، وجبلٍ، ووادٍ.

    يدخل النور البيوت، لا يميّز بين ساكنها؛ أبيض كان أم أسود، فقيرٍ أم طافح الثراء. يدخل فتتبعه عيون الرُّضَّع ضاحكةً مكركرة، يمسح على صدور المعذَّبين، فتهدأ حشرجة أرواحهم المنهَكَة من جَور الأسياد، ويُنير للتائهين سُبُل السلام.


* * *


   تتسلّق سفح جبل أبي دلامة، مكلَّلة بالسواد، منهَكَة رغم سنِّها الصغيرة، مرتعِبة من الليل والذئاب، لكنّها ماضية في طريقٍ ولو كان دونه الموت.

   من جانب السفح يمكنها أن ترى بكّة، المدينة التي خنقتها، عصرت حبلًا على حنجرتها، فلا تستطيع الصراخ، أو البكاء، أو الاستغاثة. خرجت تطلب الهواء، يمكنها أن تسمع الآن، قصورٌ يُسمَع منها الدفُّ وأصوات القيان، وأكواخٌ مظلمةٌ ميتة.

   بين صخرتَيْن تستريح، تتذكَّر الموقف كما لو حدث الآن، تلطم وجهها بقسوة، اليدان هاتان هما من حثى التراب على جسد رضيعتها، تعضُّهما وتلطم، عيونها تفيض، البارحة فقط حملتها بين كفَّيها ووضعتها في حفرة من نصف متر، أمسكت الطفلة إصبعها، شعرت الأمُّ بالحبل السرّي بينها وبين طفلتها يعود ليلتحم، ولكنّ صرخة زوجها قطعته.

   يغرف الجلف من تراب مكة، ويُلقي على الطفلة ما لا تتحمّله، تصرخ فتهفو الأمُّ نحوها، يلطمها الأب القاتل حتى تغيب عن الوعي، تصحو لتجد كلَّ شيءٍ انتهى، دفن الأب البنت إلى الأبد، وليتمّ الأمر سرًّا كما أراد، يمنع البكاء والعويل على المؤودة.

   يعودان، يملأ الوحش كرشه، ثمّ ينام، وتنتظر الأمُّ المعذَّبة نزول الليل، ليخرج الجلف إلى مجالس السوء، وتزحف هي للجبل.

  من بين الصخرتَيْن رأت رذاذ النور، ينتشر بين البيوتات والأزقَّة والشِّعاب، يتسلّق الجبل إليها، يقف عندها، تشعرُ أنَّه يواسيها، يمسحُ على وجهها، تحاول أن تمسك به، لكنّه يلتفُّ حولها، أي لطف يبعث بهذا الجمال؟! تستمرّ بتسلُّق الجبل، ويستمرُّ النور في مرافقتها، حتى تصل حفرة ابنتها.

   تطلّ المرأة من سفح جبل أبي دلامة للنور، المرأة المكلومة بابنتها، المعذَّبة من زوجها، المحتاجة ليد الحنان والرحمة. وفي عينَيْها وطرف لسانها ألف سؤال، أيكون مصير النساء في هذه الحياة التعذيب والتحقير، والإناث الوأد؟! أهذا ما خُلِقوا لأجله؟!

   لابدّ من الجواب، لا بدّ لأحد أن يردَّ ابنتها، ويسألها، بأي سبب قُتلت؟! ويملأها السؤال حتى تشعر أن رأسها سينفجر، تركض نحو مصدر النور، لابدَّ للنور أن يُجيبها، أن يقول لها إنّ السماء هنا...

   وتركض نازلة، تمرّ بين الأكواخ القديمة، والأزقَّة الضيِّقة، إلى منبع هذا النور، حتى تصل إليه، تختبئ خلف الجدار الحجريّ وتنظر، وتؤاتيها الشجاعة أن تتقدَّم، تقترب من جدار بيت النور، وتقعد منهارةً على بابه، أيّ بيتٍ أرضيٍّ عظيمٍ هذا حتى تبعث السماء نورها إليه! تضع أذنها وتتنصّت، وتُذهَل حين تعرف أنَّ هذا العُرس السماويّ، لأجل ولادة طفلة، الملائك المحيطون بالبيت، النساء السُّمُر الطوال النازلات من السماء، حور العين المتشرِّفات بخدمة المولودة العظيمة.

   أتحتفل السماء لأجل أنثى، وتسمع، تسمعُ النداء، أشهد أنَّ لا إله الَّا اللّه، وأنّ أبي رسول اللّه سيِّد الأنبياء، وأنَّ بعلي سيِّد الأوصياء وولدَيَّ سادة الأسباط.

  على بابك أيَّتها السيِّدة العظيمة أنا، هاربة من متاهة العتمة، دلّيني على الطريق، أنا قضيت عمري أبحث عن النور، أتوق إليه، وعلى بابك وجدته، بابك الذي لن أفارقه حتى أفارق الدنيا... فاغمريني بنورك... وآويني من برد الدنيا إلى دفء بيتك...