النص الفائز بالمركز السابع في مسابقة الإمامة الثانية
((الخَرابُ يكبرُ في كلّ مكان، الويل لمن خرابه في الدّاخل))
روبرت هاس.
كادت أقدامه تتهشّم وهو يطرق حدود البلدان، ترافق خطواته حسرات حارة شاهقة مخيمة فوق هامته كالغيمة، تتدلّى على الأرض ثيابه المُهترئة الملوّنة بألوان الصّدأ، تسند مشيته ضلوع حديدية تبرز تفاصيلها من خلف تلك الثّياب، يترقب بزوغ الفجر من خلف نوافذ صماء استَقْبَلَته ضيفاً ليوم واحد فقط، تتوهج الأنوار تدريجياً، فيزيح الأغطية عن الرّؤوس الخاملة، وجوه متشابهة تبدو كما لو أنّها مستنسخة وأخرى مختلفة تماماً، بيضاء، صفراء، سمراء، طامحة، آملة، بائسة، جمعت كلّها تحت سقف واحد، حلقت بعينيه بمختلف المشاعر ممتعضة من سلوكه اتجاه حرمة النّائمين، نظر له بعضهم من ثقوب الغطاء بزفرة غيض متذمرة، بينما كان بعضهم يتوسل به أنْ يكف عن ملحته اللّجوجة في لحظات الفجر، بدأ ينظر من حوله للطرق الشّاحبة ليخفف عن نفسه نظرات الاتهام، تابع حركته نحو مصدر الماء ليؤدي ما تبقى من فروض.
وفي فترة الصمت، بينما كان يشد الرّحال استعداداً لإكمال رحلة العشق، ودون أنْ ينبس ببنت شفة، طمع أحد الغرباء بحاله كان رجلاً عجوزاً يبدو أنّه شارف على استقبال الثّمانين من العمر، متواضعاً يفوح الغموض من كلا جانبيه، انعطف اتجاهه بهمس شديد، يشبه لغة اللّصوص...
- ألم تسأم من الجلوس لوحدك؟ ألا ترغب في مشاطرتي الطّعام ولو برغيف واحد.
أجابه بصوت نحيل تكاد تشتته نسمات الرّياح العابرة
- جزاك الله خيراً يا عم، يجب أنْ أكمل رحلتي نحو المقصود.
- ألا تظن أنّك لا تحمل شيئاً من ذلك الزّاد؟ لم لا ترغب في البقاء هنا ليلة إضافيّة، أحمل كثيراً من الأسرار من الممكن أن نتسامر بها طوال اللّيل.
لم يكن لديه الصّبر الكافي، نظر نحو الرّجل العجوز بنصف ابتسامة، وأكمل سيره اتجاه الفرس.
أعاد العجوز العرض بطريقة مميزة هذه المرة دون أنْ ينجح في استمالة الرّجل ولا حتى أنْ يحظى في نظرة منه، سار خلفه كالمنبوذ بهمس وجحوظ عيون حادة، لفتت أنظار الجمع الغفير.
- لكنها أسرار جميلة، بالرغم من ثقلها على كتفي من سنين، ستفتح لك أبواب السّماء، ستجعلك تبصر من قلبك، لن تسير بعدها بمسافة ضيقة، عد ياهذا، فأنت في خطر إن تصر على وجهة نظرك تلك، أريد أن ألفت نظرك إلى عوالم كثيرة، فأنت تستطيع أن تثبت ولاءك بطرق شتى، إذا فشلت ستخلد مع الشيطان في طبقة واحدة.
لم يلتفت للعجوز تابع سيره ممسكاً بلجام فرسه، وهو يقول:
- وأنت ماذا لو اكتشفت أنك لست على حق؟ ماذا ستفعل حينها.
لقد اختصر الأمور كلها بجمله التي رماها خلفه، ومن دون أنْ يهيئ لنفسه متاعاً يسد به رمق الطّريق الطّويل، مضى نحو غايته جسد بلا دم، يبث صدى صوته في أزقة المدن الضّيقة، بأنينه وإيماءاته وتمتمته الغريبة التي لا تتبدل، بنفس واحد وبخفوت بطيء.
قطع عشرات المدن تزاحمه الأفكار ونظرات المحدقين به باستغراب، تحيطه شكوك الآخرين كالدوائر، كيف لهذا الهيكل العظمي التقدم في السير كبني آدم، ربما ظنّ بعضهم أنّه ضيف من العالم الآخر جاء لتفقد أمر ما، تتوالى من حوله الأصوات الهامسة حينما يضطر للانحناء فيبدو ظهره كقطعة خشب يابسة، تزاحمت عليه لا يعلم أضحك هي أم بكاء.
بتلهف يتجاوز المدن والأزقة ليلاً ونهاراً، وسط زحمة البيوت الغامضة، والصّحاري المنسيَّة، يكتفي بأي شيء يناله من عطف الآخرين، تظلله الأشجار الحنونة بأوراقها وتهبه المتواضع من ثمارها، حينما يستريح لأداء فروضه راسماً صور اللّقاء الذي أوشك أن يقترب .
للحظة أدرك أنّه اليوم الأخير من الشّهر، لقد وصل إلى مرحلة تعب حقيقي حينها لفت انتباهه قرب أحد أزقة المدينة أصوات أطفال، لم يكن مصدقاً أنّه شارف على نيل المراد، ارتعد قلبه وارتجفت يداه أراد التأكد مع أنه كان على يقين تام، اقترب من الأطفال للسؤال عن اسم المدينة.
بدأ يقترب من محط لعبهم فيما كان الخوف يخيم على بعضهم من منظره غير المألوف الذي زادته الأسفار ذبولاً واصفراراً، وليكتسب ألفة الأطفال له حدّثهم برقيق الكلام:
- حياكم الله يا أبناء الكرام، أعذروني لكني كما يتضح لكم رجلاً كبيراً، لا أعلم كم مرة جئت إلى هذا المكان ... هل زرته أو مررت به من قبل أم لا؟ كأني أول مرة أراه هل يعلم أحدكم يا أحبائي ما اسم هذه المدينة؟ هل تعلمون شيئاً عن أشرافها وساداتها؟
أجابه أحد الأطفال الذي كان أكثرهم نباهة من بعد
- إنّها مدينة العسكر، هل نستطيع مساعدتك في شيء ما؟.
تأكّد أنّه لم يكن مخطئاً، وأنّ حلمه المنشود بدأ يقترب من أرض الواقع، اختلطت المشاعر في ملامحه، الأمر الذي جعل الطّفل اللّبق يغوص في عمق هذا الغريب انتابه الفضول حول معرفة قصة الرجل، فوجد ثغرة في سؤاله أراد اقتناصها كفرصة ...
- معذرة يا عم ... أراك سألتنا عن سادات المدينة وأشرافها، ألم يخبرك أحد عنهم، أيجهل سادات المدن في ذروة أيامنا هذه؟
بدأت ملامحه تتوقّد من جديد، عرف أنّه قريب جداً من الغاية، وأن المسافة باتت صفراً بينه وبين تحقيق الأحلام، أنصت لكلام الطّفل بانتباه مشوب بنظرات غرام فائق.
بينما أكمل الطفل كلامه:
- أنا متأكّد أنّك لست غريباً عن هذا المكان، فملامحك تفسر معرفتك الجيدة لهذه المنطقة، التي تنعم صباحاً ومساء بشذى ساداتها وأشرافها، بمنطقهم وحكمتهم العذبة التي تشرق من عبق باحاتهم، يُلوّن تهجدهم لياليها المعتمة، وتشرق الشّمس مستعينة بغرر وجوههم، أراك سائلاً عنهم وهم حديث أعماقك.
لملم الرّجل الأسرار، مبتعداً عن نواظر الطّفل اليقظ، لم يرد إماطة اللّثام عن خلجات الأعماق، ولا جبال الأسرار التي تخيّم وسط أضلاعه، أكمل سيره بطريقة منحنية تارة ومستقيمة تارة أخرى، ممتدة ومقطوعة، لم يعد يفرق بين الوحشة والسكينة، المألوف وغير المألوف، تتضارب العوالم في عقله بنوعيها المادي والمعنوي، اختلطت في وجهه الألوان: أصفر، أسمر، أشهب، أوصله مساء اليوم الأخير إلى دكان حمام، استند على جدار جاف، انفصل فيه عن الوعي حينما سلطن عليه النّوم بشكل غيبوبة، حتىّ أدرك فجأة أن مقرعة ترن بصوتها قرب أذنيه كأن قوة خفية مسكت جسده النحيل فبدأت بهزه بلا هوادة، يدفع عن جسمه الإحساس بالإغماء، ترافقه غصة عريضة هرع بنصف وعي، تنبه قليلاً فوجد أنّه استيقظ قائماً رامياً نفسه تحت أقدام القمر الثّالث عشر يقبّل أقدامه وفخذه وهو راكب والنّاس من حوله.
لكن الأمور جاءت على غير ما يشتهي، لم يكن الحبيب الذي أعدّ الرّجل السنوات بلياليها وأيامها بغية لقائه راضياً بذلك الحال، كان يمقت المغالاة، وحينما اقتربت العيون من بعضها حاول أن يقول شيئاً، ولكن فمه كان مغلقاً، لم تترك له أمواج المشاعر فرصة للتعبير، كان يتخبط بين عالمين كبيرين واسعين واحد مشرق وآخر ضبابي، واحد قريب ساكن وآخر بعيد موحش، وبينما كان يصارع تيارات المشاعر المختلطة محاولا تهدئة رفرفة القلب الذبيح أتاه الصوت المشحون بعتب واضح، لم يكن الحبيب راضياً بذلك الحال، كان يقف بحزمٍ ضد كل أمر متجاوز للمعقول، كان لا يترحم على الغلاة، لكنه لم يتركه دون إشارات، عبّد له الطريق بقول أيقظه وأعاد له ذاكرته المفقودة، حرره قمر سامراء الإمام الثالث عشر من الكذبة التي طالما أحاط بها نفسه ظننّا منه أنّه يحاول حمايتها من القدر الأسود، أيقظه بجمل حيّة يرن صداها في آذان كلّ دهر ...انتهى الموقف حينما فاح عبير نسائم الحكم من ثغر القمر قائلاً:
يا إدريس: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾
هل بكى؟ يبدو أنّه تذّكر كلّ شيء الآن عادت ذاكرته، و فهم الغاية التي جعلته في محط ولادة قلب جديد، أحس أنه كان يدور بعقل فارغ وأنه لم يستطع التحكم بقيادة نفسه، كيف ترك للعناكب السوداء نسج شباكها في ذاكرته الدقيقة، لكنه عزم هذه المرة على أن ينتزع رداء المأساة ويمضى يضرب الجبال تاركاً فكره العتيق تحت أنقاض المدينة.