عملية قلب مفتوح
النص الفائز بالمركز السادس في مسابقة الإمامة الثانية

هنا أمام سرير ابنتي المريضة، في المستشفى أقرأ لأسلّي نفسي وأهرب من همّ يزحن صدري، أقلّب صفحات الكتاب فتأسرني القصة، يقول الراوي كانت عينا أحمد شاخصة نحو المدخل يترقّب بفضول ودهشة دخول هذا الذي كنّاه حجّاب والده الوزير ووقّروا اسمه، يترقّب رؤيته وهو الذي لم يسمع به من قبل فلو كان من أصحاب الجاه والمناصب لسمع به أو لعرفه، كيف لا وهو أحمد بن عبدالله بن خاقان عامل الخليفة على قرى وضيع كثيرة ووالده وزير السلطان، كان متعجباً من أمر أبيه الذي أعطى حجّابه الإذن أن يسمحوا له بالدّخول بعد أن علم منهم أنه بالباب وهو الذي يعرف أن لا رجل يكنّى في حضرة أبيه أو يلقّب بمكرمة إلا أن يكون السلطان قد أمر له بذلك أو يكون ولي عهد أو صاحب جاه. 

ظلٌت عيناه متسمرتان على المدخل فإذ بشاب جميل الوجه أسمر أدعج العينين حسن القامة معتدل البدن حديث السن يطلّ عند الباب، فيخامره استياء شديد ثم يغتاظ وتتسلل الغيرة إلى صدره حين يقوم والده الوزير فيمشي خطوات إلى الشاب يعانقه ويقبّل وجهه ومنكبيه ثم يأخذ بيده و يجلسه بجانبه، يفكّر أحمد بن خاقان كيف لشاب في مقتبل العمر أن يحظى بكل هذا التكريم من والدي! هو لم يقف لي لم يضمني لم يقبلني حين دخلت لأكون على رأس مجلسه هذا الذي أعدّه للناس. أيّة وجاهة ينعم بها هذا الشاب وأيّ وقار بل من هو؟ من يكون؟ تساءل أحمد بن خاقان وقد عزم على استقصاء أمره ومعرفة سرّه.

.. وإذ بدموع زوجتي تقطع تركيزي، تستحلفني ببنتنا الوحيدة أن أسرع إلى الحفل الذي يقام في المسجد في هذه الساعة بمناسبة ولادة الإمام حسن العسكري فقط كي أظفر بذلك الرجل عسى يمنحني المال اللازم لإجراء عملية القلب المفتوح لابنتي. تبكي زوجتي وهي تحاول أن تخرج كلماتها العالقة في قلبها، تذكّرني بما قاله الطبيب (يجب إجراء العملية بأقصى سرعة) فيما أحاول عبثاً أن أدفع الهمّ والغمّ عنّي. أشعر أنّ الدنيا ربضت على صدري.. لا أحتمل أن أطلب من أحد مالا فكيف إذا كان غريبا لا تربطني به صلة لكن لا بدّ لي من فعل هذا فابنتي بين الحياة والموت. 

بالأمس زيّنت المسجد بيديّ هاتين، ورفعت الرايات على أعمدته وجدرانه، حضّرت للحفل كما ينبغي لاسيما بعدما ذكّرني الشيخ وهو يثني على جهودي بالآية الكريمة ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ الحج:32 شيخ المنطقة هذا ودود، قريب من قلوب جميع سكان الحي يعرفهم واحدا واحدا يستقصي أحوالهم يدعو لهم بالخير واليمن والبركة يفتقد أحدهم إذا غاب ويسأل عن صغيرهم وكبيرهم، يعتني بالتفاصيل ويثني على الأعمال الصالحة مهما كانت صغيرة لقد أثنى عليّ ومدّ يد العون لي من حيث لا يحتسب، شيخنا هذا أعلمني البارحة أن الوزير شخصيا سيحضر المولد الليلة وأنا سررت لهذا الأمر ظننت أنه منحة من الله أن يحضر الوزير، ظننت أن الله يهبني فرصة لأطلب منه تكاليف عملية ابنتي في تلك اللحظة، لكن وبعد دقائق ذعرت للفكرة فكيف لي أنا عامل المسجد الفقير أن أتجرّأ فأطلب من وزير، ولمَ عليه أن يساعدني أو حتى يصدّقني!. أردت أن أفتح قلبي للشيخ وأخبره بهمّي لكن عزة نفسي منعتني لم أشأ أن أحمّله همّي وهمّ ابنتي، لم أشأ أن أعرّضه للحرج في أن يتوسّط لي عند الوزير. لكن الآن ماذا ينفع كل هذا، هاقد وصلت إلى المسجد، جئت من أجل ابنتي، الشيخ يخطب بالناس من على المنبر والجميع ينصتون حتى الوزير الجالس في الصف الأوّل كان يصغي لكلام الشيخ.. وكان الشيخ يعدد مآثر الإمام العسكري(عليه السلام)سمعته يتحدث عن قصة تلبيته حاجات الناس وقضائها حتى لوكانت حاجات أناس على غير دين. كان يقول بأن كاتب الخليفة أنوش النصراني طلب من الخليفة العباسي أن يرسل بطلب العسكري ليزوره في بيته حيث أراد أن يطهّر ابناه وأن يدعو العسكريّ لهما بالسلامة، فلم يمتنع الإمام بل لبّى طلب هذا النّصراني وعندما وصل رأى أنه قد جمع بعضا من الرّهبان حوله واستقبلوه بإجلال وهم يقولون إنّما دعوناك لما رأينا فيك من شبه خلُق بالمسيح.

تقدّمتُ خطوات وعيني لا تفارق الصّف الأوّل. حيث يجلس نخبة النّاس، تقدّمت وابتسامة صفراء على وجهي، كنت أفكّر لمَ هناك دائما صفٌّ أوّل من الكراسي يجلس عليه من يسمَّون نخبة الناس من أصحاب المناصب السياسية والثقافية والعلمية كالوزير والطبيب والنائب وغيرهم، أفكّر كيف أعزّتهم علومهم ومناصبهم حتى جلسوا في الصفوف الأولى من المحافل، وإذ بي أجد نفسي قد اقتربت من الصف الأول حاذيت العمود الكبير الذي يليهم والذي علقت عليه البارحة راية مذهّبة بألقاب الامام الحسن العسكري فوجدت نفسي أمسح على ألقابه بيدي ثم أمسح وجهي تبرّكا ونفسي تحدثني بضرورة الانصراف، شعرت أنّي اذا فتحت قلبي لهذا الوزير وأخبرته بحالي فإني سأكون كمن يشحذ، أأبذل ماء وجهي!؟ أتردد.. يلوح لي وجه بنتي المريضة .. سوف أقترب منه وأقول له يا سعادة الوزير أيها السيد الكريم ابنتي بين الحياة والموت وأنا أرجو أن تساعدني لكرمك في دفع تكاليف عمليتها عملية القلب المفتوح..، خانتني العبرة سالت على خدي ولم أفلح في حبسها ستفضح أمري مسحتها بكم قميصي وأنا أناجي الإمام العسكري.. أقول له تقضي حوائج ذاك النصراني وأنا ببابك من يقضي حاجتي؟ لم عليّ أن أبذل ماء وجهي بالطلب إلى غريب. تراجعت خطوة إلى الوراء وإذ بيد تربّت على كتفي نظرت وإذ بالشيخ وقد أنهى خطبته وعاد ليجلس في مكانه في الصّف الأول . جذبني بلطف وجلس بقرب الوزير وهو يعرّفه بي قال: « هذا الحاج أخي . أترى هذه الزينة بيديه علّقها كلّها..» ثم التفت نحوي كمن باغته خاطر سيّئ وسألني فجأة:«كيف حال ابنتك؟ علمت أنّها تحتاج عملية عاجلة هل أجريتها لها؟» هززت رأسي وأنا أردد مربكا: «الحمدلله أحسن. الله يتولّاها» واستأذنت من فوري وخرجت.. ابتعدت عنهما وأنا أفكّر أنني ضيّعت فرصة ذهبية ساقها الله إلي لأطلب المال من الوزير.. تخيلت وجه زوجتي عندما تعرف بانهزامي .. تخيّلتها تنعى ابنتنا. هممت بالخروج من باب المسجد وأنا أحاول أن أهرب من صورتها من دموعها ومن وجع ابنتي واذا بهاتفي الجوّال يرن. جمد الدم في عروقي وفرّ قلبي فلا بدّ أنها زوجتي ولا بدّ أن المكروه وقع، فلم تتصل الآن وهي تعلم أنّي في المسجد!؟ حملت الهاتف إلى أذني فورا وضغطت على زر قبول الإتصال فجاءني الصوت ملحّا «عجّل الآن إلى المستشفى وأتمّ إجراءات العملية لابنتك ببركة الإمام العسكري». 

لقد كان الشيخ. فهمت من فوري من هو الذي تكفّل بدفع المال.. جرت دمعتي على خدّي وأنا أتذكر قوله تعالى ﴿وَلِله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المنافقون:8 حمدت الله وأنا استحضر سؤال أحمد بن خاقان في القصة التي قرأتها قبل ساعة (كيف لهذا الشاب الصغير أن يحظى بكل هذا التكريم من والدي!؟ بل من يكون!؟) ثمّ قلت في نفسي لابدّ أنك عرفت في نهاية المطاف من يكون ووقّرته شئت أم أبيت.  هاهو فتح قلوب محبّيه لتيسير عملية ابنتي بفضل الله، لقد نَظر في وجهي.