عصابة الوصال
النص الفائو بالمركز الخامس في مسابقة الإمامة الثانية (الجزء الثاني)

تسلقت العجوز السلم المؤدي إلى السطح في صحبة صاحبة الدار و حين وصلتا إلى السطح أدركت المرأة العجوز أن كثيرات غيرها آثرن المضي إلى دار الإمام عبر السطوح بدل الدروب والأزقة عساهن يتحاشين زحمة جموع المعزين حتى يتسنى لهن الوصول إلى دار الإمام(عليه السلام)لتعزية أهله وإن لم يتسنى لهن ذلك استطعن التبرك بالنظر إلى نعش الإمام(عليه السلام)من على سطوح البيوت.

شكرت العجوز صاحبة الدار على صنيعها وأخذت في المسير إلى دار الإمام(عليه السلام)مجتازة الجدر التي تفصل بين سطوح البيوت وكانت جدران قصيرة بنحو نصف قامة المرأة العجوز و كان طولها ذاك يسمح للجارات بلقاء بعضهن البعض دون حاجة إلى تسلق الجدر او اجتيازها مع العلم أنه كان محرما على كل الرجال ارتياد السطوح.

لقد كانت حال السطوح كحال الطريق، كل الدائرة المحيطة بدار الإمام(عليه السلام)قد امتلأت بالمعزيات ولا سبيل إلى التقدم إلى الأمام، فأدركت أنها تحاول عبثا فنظرت من حولها عساها ان تجد مكانا تستريح فيه لتستعيد قواها حتى تستطيع أن تعاود الكرة وتحاول النفوذ إلى دار الإمام(عليه السلام)مجددا.

اهتدت إلى سطح دار تشرف على زقاق ضيق و لبعد سطح تلك الدار عن الجادة المؤدية إلى دار الإمام  والتي من المفترض أن يمرّ عبرها نعشه الشريف، فقد كان ذلك السطح خاليا من أية امرأة فاتجهت إليه وآوت إلى أحد أركانه و أسندت ظهرها إلى أحد جدران السطح وأطلقت لعبراتها العنان.

لقد انتحبت نحيبا حارا لأنّها لما يئست من الوصول إلى الدار و انزاح عنها ما كان يشغل بالها من إيجاد الحيلة لبلوغ دار الإمام، وجدت نفسها وجها لوجه أمام مصيبتيها: مصيبتها بفقد الإمام الحسن بن علي الهاديc ومصيبتها بانتهاء عهدها بالنظر إلى وجوه المعصومين 

لقد كانت رزّيتها بموت الإمام الحسن بن عليc محنة شديدة ولكن محنتها بانقطاع عهد الناس بلقاء أبناء فاطمة الزهراء(عليها السلام)، كانت محنة أكبر لا سلوى لها عنها إلا رجاؤها في الله أن يعجّل الظهور المبارك لوليه الإمام المهدي.

ومن خلال صوت شهقاتها المتقطعة، نفذ إلى مسمعها صوت أحد الفتيان يناديها :

يا عمة، يا عمة...

استدارت يميناً و يساراً تبحث عن مصدر الصوت الذي لم يكن يأتي من السطح، ثم نهضت و ابتعدت عن الركن الذي آوت إليه و تطلعّت بنظرها في فناء الدار التي كانت على سطحها فلم تجد أحدا ... انطلق الصوت ثانية مناديا إياها:

يا عمة انظري إلى الزقاق الذي خلف الدار...

لقد غلب صوت ذلك النداء على كل ما سواه من أصوات، فبمجرد انطلاق ذلك النداء، عم المكان سكون عجيب فلا صوت مسموع إلا صوت ذلك الفتى...اسرعت نحو الجدار الطويل الذي كان امتدادا لجدار الدار المطل على الزقاق وكان أطول من قامتها ولكن لحسن حظها كانت هناك مسطبة تستريح عليها نسوة الدار حين وجودهن على السطح ولو استقلتها فسيمكنها رؤية من بالزقاق .

استقلت المرأة العجوز المسطبة ومدت بصرها نحو الزقاق لترى في وسطه فتى يافعا، وقورا، حسن الهيئة، ينظر إليها ويقول:

هذه عصابتك يا عمة قد مسحت بها مولاتك نرجس على وجه الإمام الحسن العسكري.

لم يكد يكمل قوله حتى أوقفته الغصة بالبكاء من أن يواصل الحديث و التقط من الأرض حجرا ولفه بالعصابة وقذف بهما نحو السطح، التقطت العجوز اللفافة من الأرض وألقت بالحجر جانبا وأمسكت بالعصابة وجثت على ركبتيها تمسح بها وجهها منتحبة نحيب الثكلى المرمّلة التي فقدت أعزتها.

افتكتها عودة جلبة الناس وصخبهم وانقشاع ذلك الصمت العجيب الذي صاحب نداء الفتى من أنسها بالعصابة التي ألقاها إليها و انتبهت إلى أنها لم تشكر الفتى على صنيعه ولم تسأله كيف وصلت إليه العصابة، فهرعت نحو المسطبة وأطلت منها على الزقاق ولكن لا أثر للفتى الذي ألقى إليها بالعصابة.

هوت على المسطبة كالمغشي عليها وأخذت تسترجع صورة ذلك الفتى ذو الملامح المشرقة نورا وهيبة ووقارا رغم شبابه وصغر سنه والذي شغلها استرجاعها لعصابتها عن أن تسأله من يكون وكيف وصلت إليه عصابتها...

لم تستغرق في التفكير طويلا ليسترجع ذهنها ملامح الفتى فتدرك أن كل ما فيه يدل على أنه من أهل بيت الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)ولكنها تعرفهم كلهم ولم يسبق لها أن أبصرت من قبل ذلك الفتى في بيت الإمام...فمن عساه يكون ذو الطلعة البهية والصوت الرخيم؟

وحين استجمعت أفكارها وكادت تتيقن من هوية الفتى، انتفضت واقفة واشرأبت نحو الزقاق منادية صارخة لمرات دون انقطاع بصوت اختلطت فيه الحسرة بالحزن:

السلام عليك يا سيدي ومولاي...السلام عليك في غيبتك وفي حظورك، روحي لك الفداء يا ابن الأكرمين...

وبعدما يئست من عودة صاحب الطلعة البهية لتراه، نزلت من المسطبة وهوت إلى الأرض ساجدة و هي تقول:

- اللهم لك الحمد على ما حبيتني به من رؤية سيدي ومولاي، لن يضرني فراقه بعد اليوم ...

ثم اعتدلت جالسة ورفعت يديها داعية الله والشهقات تقطع كلماتها:

اللهم عجّل لوليك الفرج...اللهم عجّل لوليك الفرج...اللهم عجّل لوليك الفرج...