النص الفائز بالمركز الخامس في مسابقة الإمامة الثانية(الجزء الأول)
إن شاء الله سأوصلها لها
كان ذلك وعدا أخذته المرأة العجوز من عثمان بن سعيد السّمان الذي كانت ترتاد دكانه الذي كان يبيع فيه السمن كلما حز بها أمر تحتاج فيه إلى مراجعة الإمام الحسن بن علي (عليه السلام)، أو كلما وردها خبر من قصر الخلافة تجد ضرورة في أن يعلمه الإمام.
لقد ألقى عثمان بن سعيد في أذنها أنه يشك في ذهاب الإمام(عليه السلام)اليوم إلى قصر الخلافة نظرا لما ألم به من مرض و لذلك السبب أعطته عصابتها كي يرجعها إليها بعد ما أن يمسح بها أهل الإمام، وجهه لتتبرك بها خوفا منها أن يفارق الإمام الحياة و ليس لها أثر منه تبقيه لديها بعد رحيله عن الدنيا.
كان هذا يوم الإثنين الذي يمر فيه موكب الإمام الحسن(عليه السلام)إلى قصر الخليفة كما اعتاد كل يومي اثنين و خميس ليحضر مجلس الخليفة المعتمد على الله، و كان خروجه ذاك إلى قصر الخليفة هو الفرصة الوحيدة للموالين كي يروه و ينظروا إليه منذ قرر الاحتجاب عن الناس. لقد تعودت مثل كثير من الموالين على انتظار موكبه ليتبركوا برؤيته، لكن اليوم تأخر الموكب المنتظر و أوشكت الشمس أن تزول و بدأت الحرارة ترتفع حتى أن كثيرا من المنتظرين مثلها لموكب الإمام(عليه السلام)قد بدأوا ينصرفون، أمّا هي و آخرين ممّن لم يهن عليهم التفريط في التبرك بمرأى الإمام، وهو يعبر أمامهم في موكبه الجليل، آثروا مواصلة الانتظار رغم أنها كانت شبه متيقنة أن المرض لن يسمح له اليوم بالخروج و آثر لها فؤادها المحب أن ترجح قليل الأمل في خروجه على كثير اليقين في عدمه و أنىّ لقلب المحب أن يرضخ لحجة العقل مهما كانت دامغة.
اقترب موعد صلاة الظهرين و كان عليها أن تتوجه إلى بيتها لتتهيأ للصلاة و أن تعد ما طلبته منها نساء قصر الخليفة من عطور و عقاقير و أدوات الزينة التي يتاجر فيها زوجها طاهر العطار . إنّها اليوم أشد إصرارا على الذهاب إلى قصر الخلافة لكي تستقي من هناك أخبار القصر و تستطلع كيف تلقّف الخليفة و حاشيته أخبار مرض الإمام(عليه السلام) لأنها كانت تعرف أن عيون الخليفة المنتشرين حول الإمام(عليه السلام)لا يتركون شاردة أو واردة من أخبار الإمام(عليه السلام)إلا وأخبروا بها الخليفة و أعوانه .
لقد تعلمت من تجربتها الطويلة في التجارة مع نساء القصر أن معظم ما يرد القصر من أخبار لابد و أن يتسرب إلى جُلِّ من في القصر وحتى إلى بعض روّاده، فبمجرد ورود خبر ما، حتى تتلقفه آذان ساكني القصر من أمراء و قادة و خدم و عبيد و إماء، و بحكم اقترابها من نساء القصر عبر تجارة العطور و أدوات الزينة، فإن الإمام الحسن بن علي الهادي(عليهما السلام) قد كلفها بأن تكون عينه على قصر الخلافة و أن تأتيه بأخباره ما استطاعت إلى ذلك سبيلا كما كانت تفعله من قبل مع أبيه الإمام علي الهادي(عليه السلام).
أدت صلاة الظهرين و تناولت مع زوجها طاهر العطار طعام الغداء، لكنهما اليوم لم يشأ لهما قلقهما على الإمام(عليه السلام)أن تنعم عيناهما بغفوة القيلولة التي اعتادا عليها و ضلا مستلقيين في قبو الدار بلا نوم و لا كلام و كلاهما يدير في ذهنه ذكريات من مواقف كانت له مع الإمام الحسن.
بمجرد ما مالت الشمس نحو الأصيل منبهة المرأة العجوز إلى موعد زيارة قصر الخلافة، شرعت في وضع قناني العطور و غيرها من أدوات الزينة التي أوصتها بها نساء القصر في الجراب المخصص لذلك ثم توشحت عباءتها و اتجهت إلى قصر الخلافة.
بعدما انتقت نسوة القصر ما راق لهن مما حملته إليهن من عطور الهند و اليمن قالت لها كبيرة وصيفات القصر و كانت تربطها بالمرأة العجوز علاقة طيبة لطول مدة معرفتهما ببعضما البعض حتى أنها لم تكن تخفي عليها مودتها للإمامين العسكريينc:
ليس بالإمكان أن تاخذي اليوم أجرة ما اقتنيناه منك.
و ما الذي طرأ اليوم حتى يتأجل قبضي لثمن ما بعتكن؟
إن صاحب بيت مال الخليفة اليوم في دار الإمام الحسن بن علي قد أوفده مولاي الخليفة ظهر اليوم صحبة أطباء القصر للنظر في حاجاته بعدما اشتدت عليه العلة و المرض.
إنه لذوا حظوة لدى الخليفة.
ربما لأنه يدين له بطول مكثه على كرسي الخلافة؛ فقد طلب منه الدعاء له بذلك ... إنه لا يزال حيا يعتلي كرسي الخلافة منذ ستة أعوام و كان الخلفاء قبله قلما يدور عليهم الحول و لا يلقون حتفهم مقتولين.
اقتربت من أذن الوصيفة و همست فيها:
- و لكن الناس يتعجبون من هذه العلة التي أقعدت الإمام الفراش و هو شاب جلد في الثامنة و العشرين من عمره
اقتربت الوصيفة بدورها منها و همست لها:
- قوارير السم تباع و تشترى في سر من رأى ربما أكثر من قوارير عطورك ...كثيرون هم في دولة بني العباس من يكيدون لبني أبي طالب و يتربصون بهم.
- أهو السم إذن؟
- وأي مرض يقعد الشاب الجلد الفراش و يعجز عن مداواته الأطباء المهرة؟
خرجت المرأة العجوز هذه المرة من القصر جزعة مهمومة لما عساه أن يؤول إليه مرض الإمام الذي تأكدت الآن من شدته و عسر برئه وطيلة مدة الطريق إلى بيتها وليس في ذهنها سوى وحشة الدنيا عليها وعلى أهلها بعد أن يفارق الإمام الحسن بن عليc الحياة.
دخلت بيتها شاحبة الوجه تكاد لا تقف على قدميها، انتبه لحالها زوجها طاهر العطار الذي كان قد اتخذ له متكآ في فناء بيته و قال لها:
- لقد أتعبتك اليوم نساء القصر
- أبدا يا طاهر، بل أدهى من ذلك وأمرّ.
-اعتدل طاهر على متكئه في فناء داره و توجه اليها متسائلا:
- ما الذي أتعبك إذن؟
- لقد اشتد المرض بالإمام الحسن بن علي(عليه السلام).
- لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما يكاد يمضي يوم إلا و أتوقع خبر شهادته روحي له الفداء، دأبه في ذلك دأب آبائه. الخليفة قد أمر كل أطباء القصر بالمكوث في دار الإمام لمداواته و العناية به
و أيضا لترصد أحواله عن قرب، فكل همهم الوصول إلى حقيقة خليفته المهدي(عليه السلام)، ليستأصلوه قبل أن يقوض أركان ملكهم و الله متم نوره و لو كره الكافرون.
جلست قبالة زوجها و نظرت إليه وعيناها مغرورقة بالدموع قائلة:
- أعلم ان الموت حق و لكن ما يزيد من هول مصيبته هذه المرة أننا بفراق الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)سينقطع عهدنا بمرآى وجوه أبناء فاطمة الزهراء(عليها السلام).
حين سمع زوجها قولها ذاك أطرق برهة ريثما تذهب عنه غصة العبرة ثم قال لها:
- هذا ما كان يهيؤنا له مولانا الإمام الحسن بن علي(عليه السلام)منذ أمرنا أن ننقطع عن زيارته في داره و ان نقتصر على الإتصال به عبر الواسطة
أعرف ذلك، كان يريد منا أن نتعود على غيبة خليفته القائم(عليه السلام)، ولكن أنى للمريض أن يتعود على الألم...
لقد أنعم الله علينا بنعمة لقاء إمامين معصومين علي الهادي و ابنه الحسنc وهي نعمة قل من الخلق ان يحظى بها، وآن لنا أن نتهيأ للمحنة الكبرى..
محنة رحيلهم عنا دون عودة...
بل محنة غيبة آخرهم إلى حين ظهوره في آخر الزمان(عليه السلام)وروحي له الفداء
ذلك ما أخبرنا به الإمام عن آبائه (عليهم السلام) ولا لقاء إلى أن يأذن الله له في الظهور ليملأ الأرض قسطا و عدلا بعدما ملئت ظلما و جورا.
اللهم صل على محمد و آل محمد و عجل فرجهم.
حسبنا الله و نعم الوكيل ولولا أن غيبة الإمام من أمر الله لوددت أن لا أبصر شيئا بعد الحسن بن علي الهادي c.
بل اسألي الله ان ينعم عليك بنعمة النظر إليه كما أنعم عليك بنعمة النظر إلى أبويه.
فأجابت زوجها باكية:
أسأل الله بحق الإمام و بحق آبائه أن أتشرف بذلك و لو لطرفة عين قبل أن أفارق الدنيا.
إن صدقت فسيصدقك و هو الصادق بن الصادقين.
لم يكن من حديث للموالين إلا عن مرض الإمام الحسن بن عليc و كيف ستكون حالهم مع خليفته من بعده الذي أضحى خبر غيبته المحتومة لديهم عقيدة توارثوها جيلا بعد جيل منذ جيل صحابة رسول الله(صلى الله عليه وأله وسلم) إلى جيلهم هذا الذي شاء الله له أن يكون آخر جيل ينعم بمقام الأئمة (عليهم السلام) بين ظهرانيه.
كان ظاهر الحال أمام غير الموالين أن ليس للإمام الحسن بن علي الهادي عقبا، أما جمهور الموالين فكانوا يعرفون أن مسألة إخفاء خليفة الحسن بن علي الهادي يتوقف عليها بقاء دين الله، إنه آخر الأئمة وإذا اطلع عليه أهل الباطل و عرفوا طريقه فعلى دين الله السلام .
لم تمض بضعة أيام عن نبإ مرض الإمام(عليه السلام)حتى جاء ذلك اليوم الذي دخل عليها فيه زوجها ضحى في غير موعد عودته من الدكان، لتوها قرأت في وجهه المنقبض و عينيه الدامعتين الخبر، لقد حدثت الفاجعة، لقد أسلم الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) الروح إلى بارئها ...
نظرت إلى زوجها بعينين مغرورقتين بالدموع و شفتاها المرتجفتين ترددان دون انقطاع :
إنا لله و إنا إليه راجعون، عظم الله أجرك يا فاطمة الزهراء
ثم ارتدت عباءتها و خرجت للعزاء قاصدة دار الإمام.
لقد كانت تبذل جهدا كبيرا لتشق طريقها بين جموع الوافدين الى سر من رأى، فلقد امتلأت الدروب بالناس حتى غدت سر من رأى رقعة دكناء لما اكتسحها من سواد ثياب المعزين، و رغم شدة الزحام لم تفقد تلك العجوز الأمل في بلوغ دار إمامها و ما على شفتيها سوى الدعاء له(عليه السلام)و على آبائه الأطهار.
كان كل أملها في تلك اللحظات أن تصل إلى الدار و حالها حال الجحافل التي تؤم دار الإمام و مناهم كلهم أن يلمسوا بأيديهم تبركا نعش الإمام أوعلى الأقل أن يرمقوا نعشه الطاهر بمقلهم الذارفة للدموع أنهارا.
لقد كانت تحث السير وقلبها يتفطر ألماً أن لا تكون جوار سيدتيها أم الإمام و زوجته لتقاسماهما وطأة الرزء و ثقل مصيبة فراق الإمام و لكن كلما خطت خطوة إلى الأمام دفعتها الجموع خطوات إلى الوراء و لم تلبث كثيرا بعد أن وجدت نفسها أمام سد منيع من الناس لا يمكن تجاوزه حتى سمعت نداء امرأة تدعوها :
- هلمي يا عمه، أنا على يسارك، استديري إلي، لست بعيدة عنك
فالتفتت نحو اليسار لترى امرأة متوسطة العمر تقف على باب دارها، فلما علمت صاحبة الدار أن العجوز قد أبصرتها، أردفت قائلة:
- تعالي، ادخلي بيتي لتستريحي قليلا، لا سبيل لك للنفوذ بين هذه الجموع ...
ما كادت العجوز تبرز إلى فناء الدار إذ جاءتها فتاة يافعة بإناء ماء لتشرب منه و لما مدت بدها لتأخذ الإناء من الفتاة، حتى انقضت على يد العجوز لتقبلها ولما حاولت العجوز سحب يدها احتضنتها الفتاة معانقة إياها باكية و كأن لها بها سابق معرفة.
- أنا التي أبصرتك من على سطح الدار فهرعت إلى صاحبة الدار لتدخلك...أما عرفتني يا عمة؟
تأملت العجوز وجه الفتاة مليا لتدرك أن ملامح الوجه ليست بالغريبة عليها و قالت لها:
- و كأني لي بوجهك الفة
- لكم كان لي حجرك سريرا في بيت مولاتي حينما كنت تأتين عندها
- و من هي مولاتك؟
- السيدة نرجس
حينها اغرورقت عيني العجوز بالدموع و قالت:
- أنت من بيت سيدي و مولاي الحسن العسكري؟
- نعم انا من ذلك البيت و لقد صرفتنا مولاتي نرجس خشية علينا أن يصيبنا رجال الخليفة المعتمد بمكروه لو حاولوا دخول دار مولاي الحسن(عليه السلام)ففرقتنا على بيوت الموالين لمولاي الامام صلوات الله و سلامه عليه من سكان المحلة.
- و ما عساهم يفعلون في دار قد أسلم صاحبها الروح؟
- كل ضالتهم الظفر بخليفة الإمام الحسن بن علي.
- حسنا فعلت مولاتنا، كل بني العباس و حاشيتهم يعرفون أن الله لن يقبض روح مولاي الحسن بن علي إلا وخليفته المهدي صلوات الله و سلامه عليه موجود وسيخلفه فور رحيله.
- و هي اللحظة التي يتحينها أعداؤه للانقضاض عليه روحي له الفداء
- أي بنية، هل من سبيل إلى بلوغ بيت الإمام عبر السطوح؟ فلا سلوى لي عما أصابني سوى بلوغي دار الإمام لتعزية سيدتي ومولاتي زوجته السيدة نرجس...اذهبي إلى صاحبة البيت و استأذنيها في ذلك...
هرعت الفتاة إلى صاحبة البيت و حدثتها لبرهة ثم اقبلتا كلتيهما نحو العجوز، و لما أصبحتا قبالتها قالت لها صاحبة الدار:
- لقد و صلت عندي بعض نساء دار الإمام(عليه السلام)عبر طريق السطوح وتحدثت في أمرك معهن و لقد زكينك جميعهن و قلن لي أنك من خاصتهن
- بارك الله فيك، أحمد الله على نعمة الولاية لآل بيت المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته.
- لذلك لا أرى ضيرا في أن أدلك على الطريق من سطح بيتي إلى سطح دار الإمامg.
- مأجورة إن شاء الله.
- اتبعيني إذن.