زارع الورد
النص الفائز بالمركز الرابع في مسابقة الإمامة الثانية

أعتذر، لدي عمل طوال الأسبوع.

وأغلق الهاتف

- لماذا ترفض الذهاب يا محمد؟ هذه فرصة عمل ممتازة

- لأن لدي عمل!

- أنت عامل بلدية وبلا أجرة حتى !

- ولي الشرف بذلك، ولا تنسَ أني تركت الوظيفة بإرادتي واخترت العمل في المشتل.

أكمل شايه عند البسطة الصغيرة وركب (الستوتة) الحمراء التي تحمل شتلات الورد وبعض الأنواع الأخرى من الشجيرات، وتهادى في الشارع المؤدي الى مرقد الإمامين العسكريينc. 

تنفس الصعداء حالما لاحت له القبة الذهبية، تذكر ذلك اليوم المشؤوم قبل سبعة عشر عاماً عندما استيقظ من النوم على صرخات أخته الكبرى وسط تسمّر العائلة كلها أمام صورة القبة المهدّمة في شاشة التلفاز، وكيف كان خائر التفكير والقوى، لا يعي ولا يدري ماذا يفعل ..

 

(2)

كان يصرّ على زراعة الورود على جانبي الطريق ولم يمنعه كلام الآخرين بأن هذا الورد سيموت لعدم ملائمة الأجواء له، هذا الطريق الذي طالما عبر عليه مع الجنود في السيارات العسكرية وكيف كان يعترض على زملائه عندما كانوا يقولون انهم جاءوا لحماية مرقد الامامين العسكريينc، كان يقول لهم العكس، نحن هنا بحمايتهم وليس لحمايتهم ..

عاد إليه رشده بعد هذه الذكريات، وشرع بإنزال الشتلات من (الستوتة) مع المجرفة و (جلكان) الماء، كان قد توقف عند آخر شتلة زرعها بالأمس 

- هذه شجرة (محمد بُشّي) سأزرعها قرب شجرة والده (لعيبي) وهذه شجرة (صالح) مكانها قرب شجرة (شيخ جبار) لأنّهما من نفس القرية، هذه الأشجار ستظلل الورود وتحميها.

بدأ بالحفر والزرع والسقي وحده، حتى انتصف النهار وأتمّ عمله، أخرج من جيبه المُترب قائمة أسماء وبعلامة (صح) صغيرة أشار أمام بعض الاسماء فلم يكن يشطبها ..

ركب (ستوتته) الحمراء بملابسه المتربة وقبعته التي وضع تحتها قطعة قماش، وابتعد في الطريق وقول (ما من بلية إلا ولله فيها نعمة تحيط بها) الذي كتبه على بابها الخلفي يتلاشى في الاسفلت شيئاً فشيئاً ..

 

(3)

- «وكان هذا موقف الإمام الحسن العسكري من ثورة الزنج»

رنت بأذنيه هذه العبارة من مكبرات الصوت في الصحن العسكري، وكان مجلساً حسينياً هناك قد وصله متأخراً، جلس عند الأحذية كعادته، عينه على المنارة وأذنه عند الخطيب، وحالما انقضى المجلس ذهب الى المكتبة هناك وبدأ يبحث عن ما قاله الخطيب وعن أحداث سنة 255 هـ.

وكيف كان للإمام الحسن العسكريg دورٌ لحفظ غصون الزيتون من الانكسار بوجه رياح الفتن. 

أعاد النظر إلى القبة الشامخة وكيف حفظت وجمعت من حولها على اختلافهم طوال مئات السنين، سرعان ما عادت اليه صورة القبة المتهدمة، كان المشهدان يعرضان أمامه بسرعة وبالتناوب وكأن مونتاجاً خفياً في عينه يوازن بين الهَدم والسِّلم .

أكمل الزيارة وعاد إلى منزله الذي استأجره منذ سنوات ليكون قريباً من عمله، عمله الذي اتخذه لنفسه (زارع الورد)، وعلى صوت الستوتة خرجتا لاستقباله طفلتاه الصغيرتان (منارة) و(ورد)، ركنها في الباب، وقبّل طفلتيه وحمل ورد الصغيرة ودخلوا للبيت، وكان كل الجيران قد اعتادوا روتينه اليومي، حتى أن جاره (أبو خالد) كان يمازحه أحياناً عندما يعود قبل الغروب ويقول له: 

- أنت تعود بوقت أذاننا، مطلوب ربع ساعة .

فيبتسمان في الزقاق أو يبتسم الزقاق بهما ..

 

(4)

كانت هذه فكرة (صالح) بأن يزرع أشجاراً بأسماء الشهداء، كان يقول: 

إن الدماء الحمراء ستعبّد طريقاً أخضرَ لجميع السالكين.

صالح الذي زرع له هذا اليوم شجرةً باسمه!

صالح الذي طالما كان حنوناً حتى مع الأعداء، كان يسقي أسرى الدواعش الماء بيديه ويشير إلى قبة الإمام الحسن العسكريg ويقول: كل عسكري منا لابد أن يقتدي بهذا العسكري.

وكان يقول: إن وجود إمامين هنا هو دعوة للتعايش والامتزاج بين أبناء البلد الواحد.

كما كانت عبارات صالح تتردد في رأسه، كانت طيوف صالح تدغدغ كآبة ليلهِ، وكأنه يؤكد ويوصي محمد على إتمام فكرته، ذات حلم رأى صالح يتحول الى تراب وينتشر في الهواء ويغطي الجدران والأبواب، ومرةً رآه يتكئ الى جانبه في الستوتة ويبتسم طوال الطريق ..

 

(5)

كانت الشتلات على جانبي الطريق بدأت برسم ملامح له، وكأنها تحديد للوحة باللون الأخضر، كان يقف عندها بعض السائقين ويسقونها بما تيسر من ماء، ومحمد يواصل عمله اليومي بزراعة الورد والأشجار، إلى أن عاوده الألم من إصابته القديمة، ويبدو أن عمله أثار مكان الشظية في ساقه، أخبره الطبيب أن لا يجهد نفسه، فلازم البيت طوال اسبوعين، وكل تفكيره عند شتلاته على جانبي الطريق، حالما تحسنت حاله قليلاً، ملأ الستوتة بالماء وهو آيس من حياة زرعه على الطريق، لكن دفعه الإصرار لإكمال ما بدأ به، انطلق نحو الشارع المؤدي الى مرقد الإمامين العسكريين وبرأسه تزدحم صور الورد و الشهداء و القبة، ومن بعيد لاحظ شيئاً غريباً على جانبي الطريق، اقترب اكثر فوجد بشراً مكان الشتلات !

- يا إلهي هل هذه طيوف صالح أيضاً ؟

اقترب أكثر وإذا بالناس هناك على جانبي الطريق هم جيرانه، و(أبو خالد) في مقدمتهم وكانوا قد تعهدوا بإكمال زراعة وسقي ورعاية الورد والاشجار في الطريق أثناء غيابه .

(6)

صالح ينظر من بعيد، يرى امتزاج الورد والناس على جانبي الطريق، وبنهايته تلمع القبة الذهبية، فيعيش مرتين بعد موته.