النص الفائز بالمركز الثالث بمسابقة الإمامة الثانية
افتقدتني فوجدتني مُضاعًا من يديّ اللتين لم تعودا قادرتين على الفعل الإرادي في كثير من الاحيان، نصحوني بالذهاب الى الحكيم، قالوا أنهّ موجود في مدينة النقاء، ولكن عليك أن لا تتأثر بالاشواك المغروسة في طرقها، توجّهت إليها، أريد أن أجده لأجدني، وليجعلني حرفًا تتقبله الألسنة باحترام، في كل مرّّة يقترب الطريق ويبتعد، يضيق ويتّسع، حتى شارفت على اللحاق به، كان يمضي وظله شيء من الضّوء، وصمته لغة مليئة بالبيان، يجيد التحدّث بأكثر من لغة، لا يمكنك أن تضمر شيئًا أمامه لأنه سيعرفه، أسرّ أحدهم في نفسه، أن تفسير آية معينة، هو أشبه بالآية: ﴿ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالاَمْرُ ... ﴾، فتوجّه إليه بحلته الجميلة؛ ليقول له: هو كما أسررت في نفسك ﴿ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالاَمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الأعراف :54، هكذا هو، وكل فعل من أفعاله : تبارك الله، قلت لذلك الواقف في زقاق التّاريخ، هل شاهدت النقيّ يمرُّ من هنا، قال : وكيف لا ؟ بل لاحظت أيضًا أغبرتهم تتراجع القهقرى، ولما أن تطاولتْ وهمّت به وجدوه هو هو، كما كان وكأن الغبار في قباله، شيء من اللاشيء، فكلما زاد النّقاء ضعف التأثر بالبلاء ولم يتأثر بعساكر الكدر . أقول كيف بي وأنا الذي تفاعلتُ مع الكدر منذ سنين وحتى الحين وليس ببعيد إلى حين .
انصرفت إلى زقاق الراوندي، سألته هل مرّ بك النقيّ، فأجاب كان هنا قبل قليل وبرفقته الرّبيع الجميل، يسعى في خطاه، ليترجم أنّه لا يكون الضّوء من دون مصدر، ولا يكون الشّجر من دون ضوء، ولتدرك الأشجار الفضل العظيم للشمس عليها، وعندما تتساقط أوراقها فهذا لا يعني أنّ الضّوء خذلها، بل هذا عائد إلى أنّها لم تعد متناغمة مع رشحاته، وهذا مثل ما حدث معه تمامًا، سجنوا أباه لأنّه كان متهمًا بجريمة الاستقامة، ثم ثبتت عليه هذه التّهمة، فقاموا بتصفيته مسمومًا، راع هذا الخطب ذلك الفتى النقيّ؛ فأمام عينيه يؤخذ أعزّ إنسان، وأمام عينيه قُتل الكثير من أبناء عمومته وأقاربه، وأحزنه كثيرًا، أنّ الموالين قليلون جدًّا، فالضّوء لا تستكين إليه الخفافيش على العكس من الظّلام، فهو يجري في عروق المناوئين، أولئك المناوئون يملكون العدّة والعدد، وهم أناس يرون أقرب جزاء لمن يخالف نهجهم الأعوج أنْ يسقوه بالسمّ الزعاف ثم يتباكون عليه، فقد درسوا في الخفاء فنّ
الجريمة، ليقوموا بدور القاتل والمقتول.
لاذ ذلك الفتى إلى الصمت والصبر والاحتساب عند الله، فهو يدرك أنّ الدور سيجيء عليه فله بأبيه أسوة، فمن شيمهم المبدئيّة أنّه لا بدّ أنْ يشرب بالكأس الذي شرب منه أبوه، ومن هنا كان دأبهم التّخطيط للتمهيد الى يوم الخلاص لكن الأمر لا يحتاج الى عجلة، فالجريمة فن يحتاج إلى وقت وإلى شيء من التمثيل من أجل ابعاد التّهمة.
سلكت أزقّة كثيرة زقاق المفيد وزقاق الطبري وزقاق ابن شهر آشوب ...، كل هذا وأنا أبحث بلهفة، اجتمعت الأزقّة على أنّ المجتمع قد عاش ما بين سيادتين، سيادة الضّمير وسيادة الأموال والسلطة، فزهَد بسيادة الأول وانصرف المجتمع الى
الثاني، وعلّل تصرفه هذا أنّ المملكة لا تحكمها سيادتان، فراح يعزف بعود ليس فيه وتر.
سقطت صروح للجمال واحترقت أشجار للكرامة، وصاحبنا النقي يمضي حاملًا في يديه الماء رغبة في إنجاد ما يمكن انجاده، يمضي والنور يشعّ بين يديه، والحكمة تتفجر منه، زاره أحد النصارى، ليقدّم له خدمة الفصادة، ولكن ذلك الفتى النقيّ دلّه على شريان لم يكن يعلمه ذلك الفاصد، وفوقها أعطاه مبلغًا كبيرًا من
المال، فعاد النصراني مدهوشًا من علم ومن كرم ومن خلق طيب، فحدّث أستاذه واسمه الراهب «بختيشوع» بما رأى فحار أستاذه، وطلب منه أن يذهب لأفضل طبيب في عصره وهو راهب دير العاقول، وما أنْ وصل الخبر لذلك الراهب وسمع بأمر ذلك الشريان المخفي، أصاب ذلك الراهب ذهولٌ، فهو يعلم أنّ ثمة شريانًا لا يعرفه إلاّ نبي أو ولي، وهذا الشريان نفسه الذي عرفه فيما سبق نبي الله عيسى، وهو نفسه الذي عرفه ذلك الفتى النقي بحسب الوصف، لكن ما الذي حدث ؟.
سارع ذلك الراهب -راهب دير العاقول- للقاء الولي، وصل إليه ليلًا، ومكث عنده حتى الصّباح فخرج وقد خلع ثياب الرّهبانية، ولبس ثيابًا بيضًا وأعلن إسلامه، ولما أن سألوه عن ذلك قال لهم لقيت المسيح، ليصل ذلك الخبر الى القصر فيأخذ ساكنيه بالصداع، ورافق ذلك الخبر أخبار مماثلة أخرى، ليتنامى الصداع، حتى كادوا كيدتهم فطلبوا من الفتى النقيّ أن يأتيهم في أوقات معينة، وعليه أنْ يمتثل، كي يطلعوا عليه من كثب، أو ليثبتوا أنّه صاحبهم ومن هواة بلاطهم، فتنفر الناس منه، فكان يأتيهم الى قصر الخلافة في كل يوم اثنين وخميس. وكانت المفاجأة أن الناس بدأت تزدحم على الطريق من أجل التشرّف بنوره، كلهم ضائعون مثلي يريدونه لأجل خلاصهم، فهذا سر من رأى يمشي في سر من رأى . حتى أصبح الشارع يغص بالدواب والحمير والبغال، فلا يوجد لأحد موضع يمشي ولا يدخل بينهم، فكان الاثنين والخميس يومي الحزن للخليفة، الذي كان يكتم حزنه ببسمة متكلفة وبتصنع يكاد يفلت زمام القيادة، فيضيع الطريق .
فهذا نصراني يسلم على يديه وهؤلاء ناس تتسارع بين يديه، وهذا ... وذاك ... وأنا ... والبقية تأتي، فمن سيصفق للخليفة، مضيت أمشي في الأزقّة وكل زقاق يخبرك بعجائبه ومناقبه .
توجهت الى الشارع الكبير، جلست على حافة الرّصيف، رأيت الشوك يقتلع الرصيف، ليحلق غراب الحسد من قصر الخليفة، جاء الأمر بزج الفتى النقي بالسجن، وبالتضييق عليه، امتثل السّجان الذي يدعى علي بن نارمش وكان قاسيًا جائرًا، وطلب منه أن يزيد بالبلاء على ذلك السجين، فكان هذا الطّلب لديه بمنزلة
الإكرام؛ لأنه يحب أنْ يمارس هوايته، ولكن ما إنْ صعق بنور سجينه وبحسن فعاله بدأ يقطف من نعيم فعاله ويتزكّى بأريج كلامه، فما مضى إلاّ يوم واحد وإذا بذلك القاسي يخرج من ثوب قساوته فيضع خدّيه للنقي، وكان لا يرفع بصره إليه إجلالاً وإعظامًا، فخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرةً وأحسنهم فيه قولا .
وتصل الانباء الى القصر فيتزلزل البلاط من تحت أقدام الخليفة، فيدبّر حيلة أعتى من سابقتها، حيث الأمل بسجن صالح بن وصيف، فيلبي ذلك السجّان دعوتهم ويختار اثنين من شياطينه ليعذبا ذلك النقي وليذيقاه مرارة الموت وهو حي، فإذا بهما مع مرور السّاعات يأتيهما ابن وصيف فيلقاهما وقد رميا ثوب الشيطانية ولبسا ثوب الملائكية، يتعبدان ويتضرعان، فيصرخ بهما : ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ ليقولا له : ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا، وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا.
صاعقة تتجدد في القصر، أدت الى هيجان ذلك الغراب، بقي الأمر باللجوء الى الداهية نحرير، تلقف ذلك السجان هذه المهمة برحابة صدر، راح يطبق فنونه في التعذيب، نصحته زوجته ؟ ماذا تفعل؟ أنت أمام إنسان صالح وعابد، أخاف عليك منه، استهزأ ذلك الفاجر، وأقسم أنْ يرميه للأُسُود، فهو جاء بها لأجل أن يمارس بها ساديّته، من أجل افتراس السجناء الخطرين، أليس ذلك النقي خطر جدًّا، فهو يسعى إلى إنقاذ الكون منهم، انقاذ الكون من التلوث، يريد أن ينشر النقاء في مساحات أكبر وأكبر، لذا بادر السجّان نحرير بسجينه الى الأُسُود، تركه عندها، مضى الوقت، لا بدّ أنّها سوف تأكله جميعه ولا تبقي على شيء منه، جاؤوا بعدها ليتمتعوا بمنظر الافتراس، فوجدوه قائمًا يصلي، والأسُود حوله، ليتجدد الحزن هناك، وليبحثوا عن كيد آخر، فالأمر لم يعد يطاق .
جاءهم هذه المرةّ شخص لهم به صحبة لم يشُبْها انقطاع او فتور، وكنيته أبو مُرّة، فطلب منهم الصبر والاستمرار فللنقي ساعة يُحجَبُ عنه إدراك ما يضمرون، فراحوا يجدّون بما بدؤوا، ينظرون الى غريمهم وحيدًا، فهو آخر العنقود الذي سيُقطع وسينتهي ذلك الكابوس الذي أفزع الآباء وأشغل الأبناء، حتى كان ذلك اليوم الذي أفرح الابن الحاقد الأكبر يوم وصل إليه وصول السم إلى أحشاء الفتى النقي، وكأنّ حاله، يقول ليت أشياخي شهدوا جزع الفتى ونهاية السّلسلة المسبوكة من
ذهب، التي صعب عليهم قطعها، وصلت الى ذلك النقي، كان السم يسري في احشائه كنت أتمنى أن أراه قبل ذلك، أن أجلس إليه كما جلس إليه أصحابه النيسابوري وابو الاديان وابو علي المطهر وابن خاقان ...، التفتَ اليّ أوصاني، عليك به وستجد نفسك كما أردت، فارق الحياة، دَبَّ هاجس القلق من جديد، لكن عليَّ أن استمر فالأمل ما زال موجودًا .
نظرت الى ذلك الحاقد، بدأت البشرى تدبّ في أعماقه، نعم أليس هو المعتمد، فكان عليه الاعتماد في تحقيق منى الأجداد، ليس هذا فحسب فقد قام بعمل عظيم، فليس هناك أمل لذلك الأمل المأمول في نهاية حكومات الجائرين.
لم يبق إلّا المبادرة للقيام بدور صاحب المصاب على ذلك الفتى النقيّ، كلف أخاه المدعو جعفر أن ينهض للصلاة على أخيه، أصاب الأسى بعض الأصحاب أن يكون هذا آخر المطاف بصلاة شخص غير مؤهل اسمه جعفر على النقي المعصوم، هل عاشوا عصر الفتنة بأوج ما تكون الفتنة، بيد أنّ هناك بعض الأصحاب كانوا يعلمون بشيء، ويتوقعون حدوث ما غاب عن الاخرين، لقد رأيت الأمل يشعّ من وجوههم، اقترب وقت الصلاة، اصطفّ الجميع، تقدّم جعفر للصلاة، لم أفكر بالتقدّم، ما هي إلّا لحظات وإذا بصبي نقيّ صغير من نور، يتقدم سريعًا، طالبًا من عمه أنْ يتنحى، أدى الصلاة وأتمّها، نظروا إليه، هذا صورة عن أبيه، كيف غاب عنهم، هل كانوا يراقبون مكانا آخر ؟ تتجدد الصواعق، بدأ غضب المعتمد
يستشيط، وبدأت ثقته تضعف بمن حوله، هل خانوه أم أنّ يد السماء قامت بإخفائه ! أم إنه ذلك الفتى النقيّ بُعث من جديد بصورة أخرى، صرخ بأصحابه أنْ يجدوا ذلك النقيّ الصّغير، راحوا يبحثون في كلّ شبر، داهموا بيت النقي الأب، نعم كان ابنه هناك، بحثوا بدقة، مرَّ من أمامهم، رأيته وهو يخرج بلا وجل، شاهت العيون كما شاهت عيون القرشيين يوم خرج النبي من مكة الى المدينة، لكن هذه المرة خروج ذلك النقي الصّغير إلى مكان غير معلوم، بيد أنّه ما يزال يمدُّ الدّنيا بنقائه وبضيائه، وها هي قامات النخيل شامخة، تريد من الاتباع أن يتسلقوها، لينظروا قدومه، قدوم ابن النقيّ، عليهم أن يكون عسكرا لابن العسكري؛ ولأجدني بوجوده، ولكي يزف النشيد: طلع البدر علينا من ثنيّات العراق.