نوافذ
النص الفائز بالمركز الثاني بمسابقة الإمامة

أطلقت زينة «زمّورَ» البكاء منذ الصباح الباكر. ابنتُنا ذاتُ «متلازمة داون»، تطرق «سنديان» سريرها، تضرب باب الشقّة، وتلفظ مرارًا تكرارًا: «مَك.. مَك..». عرفنا قصدَها؛ تريد الخروج إلى المكتبة العامة. اعتدنا «نقيقها» المتواصل في أغلب الأوقات، فكأنّك تنام وهدير «حفّارة البئر فوق أذنيك». لكن الهدير هذه المرّة اخترق المعتاد. طوال عقود عمري الخمس، لم أؤمن بالمعجزات بعد الأنبياء، ولم أؤمن أيضًا بالصدفة، لكن ما سأرويه الآن بدا لي غريبًا حدّ المعجزات.

رجتني أمّها كريمة أن نلبّيها، ولكي لا تعتد «زينة» هذا الأسلوب في طلب الأشياء، اقترحتْ أن نحتجّ بشراء دواء من الصيدلية، فهي في الطابق الأوّل من البناء وقاعات المكتبة في الطابق الثاني.

نفّذنا المقترح. أخذت زينة ترفرف بيديها وتترنّم بالألحان العجيبة مسافة «خمسة كيلومترات» من بيتنا في منطقة «جسر مطار بيروت» حتى المكتبة في منطقة «المعمورة». ركنتُ سيارتنا «الهوندا 2015» في موقف البناء وقلت: «لا تتأخّرا سأنتظركما». 

طويت فاتورة الدواء «باراسيتامول»، وهممت باستخراج حبّة، وإذ سمعت أنينًا وصياحًا. وقع حجر ضخم في صدري. صحيح أنها تعذّبنا بسلوكها، لكن يدًا تسحب قلبي نحوها. المصعد مشغول. هرعتُ مستخدمًا الدرج. دسست العلبة في جيبي.

وجدتُها تلتصق بأمها من جهة، فينزاح حجابُها عن رأسها من جهة ثانية، تئنّ ثم تعضّ على زندها، أدركت كيف سيحمرّ كالعادة إطارٌ يشبه الساعة المدبوغة على جلدها الأبيض. بادرتني كريمة بالقول: «أحدهم استعار قبلنا قصة ذات صورة جميلة، لم أعلم أنها أرادتها إلا بعد انصرافه ووالده».

كانت «هانية» أمينة المكتبة الحامل تنسّق كتبًا دينيّة. وضعتها فورًا على طاولة أمامي. ثم أخرجت من جيبها قطعة «شوكولا»، لتستحوذ على اهتمام زبونتها المشترِكة «زينة»، واستطاعت استدراجها نحو قاعة الأطفال. وقفتُ أنا قرب الطاولة. شدّني أوّل كتاب. عنوانُه جريء صارخ: «الشيعة في التاريخ وأسطورة المهدي!».

رجعن إلى الصالة الرئيسة، نظرت زوجتي إلى يدي والكتاب المحمول باستياء، بل بارتياع؛ لعلّها فكرت كيف يكون ما حصل من زينة سببًا لأجد إصدارًا للمؤلّف المفكّر الشهير «الحاج عاصم»!

ذاع صيت الرجل مؤخّرًا وهو يهاجم «الإماميّة الإثني عشريّة». أما أنا فقد شاهدت قسمًا كبيرًا من تسجيلاته على قناته «يوتيوب». ما انفكّ يدلي بآراء عن التاريخ الخفي، يدعمها بمنطق ولغة عصريّة، وبأسلوب عاطفي وعلمي، وبراهين جديدة تلامس الرغبة بملاحقة دهاليز المحظور! لم أجد أنا ما ينقضها، بصفتي أستاذًا سابقًا في اللغة العربيّة قبل أن يقيدني «الروماتيزم». شيئًا فشيئًا استحسنتُ إطلالاته، وعبّرت عن ذلك، وطفقت تنفذ إلى داخلي وتنفذ.

رأيتُ في وجه كريمة انزعاجًا. كأنها نسيت طبخةً على النار واستنشقت رائحة احتراقها.

استعرتُ الكتاب وجلبتُه وسط استنكارها المكبوت لكي لا تضطرب زينة مجدّدًا. 

لم تغرب شمس ذلك اليوم إلّا وقد التهمتُ مئةَ صفحة، وابتلعت كريمة ثلاثة أقراص «باراسيتامول». وصلتُ إلى فصل «انقطاع الإمامة في زمن العسكري»، خلص فيه الكاتب إلى أن «المهدي» لم يولد! وعرضَ معطيات جعلته يشكّك في سبب عدم إعلان العسكري عن ابنه للملأ، فعزاه إلى عدم وجوده! وقال إن قوة الإقامة الجبريّة ودقة الرقابة لم تكونا لتغفلا عن المولود الموعود! وأن ثمّة عوامل لانقسام المسلمين إلى فرق بعد استشهاد العسكري تستدعي تحليلها بطرق مختلفة عن السائد.. 

في المساء احتضنت زينة قصتها المستعارة، وظلّت شاردة حتى نامت في حجرتها أخيرًا.

رأيتُ وجه كريمة الغاضب، ثم حارت ودارت قبل أن تستقرّ في غرفة المعيشة. أمسكتْ جهاز التحكّم «الريموت»، وأخذتْ تقّلب عشوائيًّا قنوات الأخبار. راقبتُ خلسة سمات فضولها، وهي تسترق النظر إليّ خلال قراءتي، وتتنفّس عميقًا. وما إن سألتني عمّا وجدتُه، حتى صارحتها بنبذة عمّا أنهيته، ثم صرّحتُ بأنه طرح منطقيّ، ويؤخذ بعين الاعتبار. جحظت عيناها، وسألت:

- هذا مخيف.. هل بات رأيُك كذلك فعلًا؟

- وهل قلت إنه رأيي؟ أراك تخافين سماع كلّ ما يخالف عاداتنا وبيئتنا! 

- ولماذا لا أخاف؟ الكذّابون ومن يدعمهم يريدون أن.. 

- الرجل حرّ برأيه، لا تضخّمي الأمور.

بل هو يضلِّل برأيه، فهل من مسلمٍ مستفيدٍ من الافتراءات بهذا الشكل؟

- أراه يحاكي العقل، فمن شاء فليقتنع، ومن لم يشأ فلا يتابع، أو فليأتِ بإثباته!

قضت زوجتي الليل سهرًا في صالون البيت. بين ساعة وأخرى تفقّدتها. اقتربتُ بعد صلاة الفجر، لمستُ على الكنبة ورقة، فتحتها كانت قد خطّت عليها: «أوجعتنا الغربة يا ابن العسكري». لاحظتُ احمرار جفنيها من البكاء المخنوق. وسمعت زفراتها.. ردّ فعلها المبالغ فيه لم يكن مبررًا.

صباح اليوم التالي كان عطلة تعليميّة لزينة ولكريمة، هي سعت لوظيفة «مرشدة تربوية» في مدرسة ذوي الاحتياجات الخاصة، لكي تظلّ بجانب البنت مردّدة: «زينة قطعة من الجنة بيننا». 

ظهرًا، دخلتْ كريمة غرفتنا ورتَّبتها. رأيتُ ملامحها هادئة. لم أحاول معرفة سرّ ارتياحها.

لم ألبث كثيرًا حتى حكت هي كل شيء؛ لقد اتصلت منذ الصباح بدار النشر في منطقة «الحمرا» على تطبيق «وتس أب». أرادت أن تنهرهم وتفرّغ سخطها على طباعة كتاب لا يفيد بل يشكّل خطرًا ويزرع الشك في العقول كما قالت، فردّوا استنكارها ودافعوا عن سياستهم الإدارية. 

أخبروها أن اختصاصيًّا هو الشيخ الدكتور «محمّد الساحلي»،  وضع كتابًا يفنّد فيه تصريحات الباحث «عاصم»، وفق منهج تاريخيّ وفلسفيّ مبسّط. وهم طبعوه حرصًا على احترام الآراء المتنوّعة. وفورًا، طلبت كريمة شراء الكتاب وفق خدمة التوصيل «ديليفري». انجلى سرّ الهدنة النفسيّة التي منحتها لنفسها بعد وصول الكتاب. استحلفتني لقراءته، وهدَّدَتْ بانكسار أن تترك لي بنتًا «معوّقة» تجاوزت الخامسة عشر منذ أقل من شهر. قدّرتُ أنها تهيّؤات، فهما ملتصقتان قلبًا وقالبًا، ولكنني ضحكت لأطيّب خاطرها، وأمسكتُ بكتاب الردّ لأستطلعه، وقلت:

- لا تتكدّري يا مجنونة! كلّ ما في الأمر أنها تساؤلات التقت مع بعض تساؤلاتي.

أفشى تأفّفها أنها لم تصدّق. تمتمتْ بكلام لم أفهمه، وشاهدتُها تكتب وترسل رسائل التحذير لأمينة المكتبة، وجّهتها بلغة الأمر إلى منع ترويج كتب تضيّع عقائد الناس! أما أنا فامتعضت، ولكن حملت كتاب الردود، ثم تركته لتناول الغداء، وتصفّحت الفهرس حتى العصر.

فجأة، رنّ هاتف كريمة. الرقم لدار النشر، ولكن المتصل هو الكاتب الشيخ محمد شخصيًّا. طلب محادثتي! نفرتُ، إلا أنني رددتُ لأرفع الحرج عن أمّ ابنتي. عرّفني بنفسه بنبرة هادئة وصوت رقيق. قال إنه كان في زيارة لدار النشر لتنسيق كتاب جديد لحظةَ طلبنا كتابَه. 

تعرّق جبيني، وهو يبلّغني أن ردوده في الكتاب لا تكفي، وأنه يُسرّ بتقديم إجابات وتوضيحات للمشتري مباشرة، وأنه يجب أن يقابل المهتمّ لجلاء الموضوعات القابلة للتطوّر سلبًا. أصابني مسّ كهربائي. اعترفت أنني المهتمّ، لكن فررتُ من الموافقة بقول: «نتواصل لاحقًا، وأفضّل إنهاء تصفّح الكتاب أوّلًا».

أطعمَت كريمة فتاتنا ووضعتها بعد ساعة أمام «مكعّباتها» المألوفة، ثم صدمتني بخروجها عن المألوف، ضبطتُ انفعالي وهي تقول:

- إن رفضتَ المقابلة يا عماد تكون مغرورًا مكتفيًا بنفسك. أتصمّ سمعك عن الحق؟

- وكيف تيقّنتِ أنه الحق! كلها وجهات نظر!

- حسنًا، افتح الباب للطارق، فإمّا أن تقبل الوجهة المختلفة أو ترفضها أو تضعها في دائرة الإمكان.

- أيّ باب وأيّ طارق، أيّتها المثقفة؟

- باب عقلك وقلبك.. أما طرقته يد الرحمة؟ وإلّا كيف وصلك كتابٌ ثم كتابٌ ثم عالمٌ!؟

فكرت بملل إذ أعرف أن كتاب الشيخ محمّد لن يأتيني بجديد. لكن لم أجد بُدًّا، أعجبني ترفّعه عن الشتائم والاتهامات في ردوده . فقرأت منه الكثير. وكريمة على مرّ الدقائق تستفسر: هل طالعت استدلالاته؟ هل هي مفهومة؟ في أيّ صفحة أصبحت؟ هل هناك منطق؟ ماذا وجدت؟ هل الكتاب مُقنع؟ وساد توتّر من نوع جديد مختلف..

على مدى يومين، وضعتُ خطوطًا تحت سطور أقنعتني. نقلتُ أسماء كتب من القرن الثالث الهجري استخدمها الكاتب في ردوده؛ ككتب «الصدوق والمفيد والنعماني والنوبختي وحتى القُمّي الأشعري والطوسي» وغيرهم.. ثمّ سجّلتُ ما جذبني للتبصّر؛ بيّناتٌ تظهر تدبير الإمام الحسن العسكري لأجل صون حياة أمّ المهدي مثل ستر حملها، أبعاد تؤكّد ظروف الحصار المحيط بالعسكري من الإرهاب والعنف السياسي، كتمان ولادة خاتم الأئمّة يحميه ويحيط كيانه بالسريّة، إعلامُ الخواص يثبت الشهود، علامات الأصحاب تشير إلى أمانتهم، معرفتهم شخصَ القائم تطمئِنُ قلوبهم..

على مدى يومين، تصل زينة من المدرسة وتسرع لمعانقتني، ألاعبها وأحادثها وأعود للقراءة. ومع ذلك احتجتُ المزيد من قرائن تاريخيّة، فكتبت أسئلتي عن رواية أصحاب العسكري ومشاهدتهم للحُجة. وصمّمت على اكتشاف ثمار تمهيد العسكري لخلَفه الإمام.

مستسلمًا قصدتُ الشيخ الملحاح في مركز عمله التبليغي بعد مهلة وجيزة. جاء هو إلى الباب مع عامل الاستعلامات، فوجئتُ بطلّته «الحنطيّة» الصافية. شبابُه وادع أكثر من صوره على «الإنترنت». استقبلني بحفاوة ثم قرّب الشاي الساخن. وطالت الجلسة.

أنبأني الشيخ بالمقرّبين للعسكري القادة الخُلّص. سرد من سيرة كلّ منهم صفاته المُحقَّقة محلّلًا شخصياتهم.. محّص في وجود «عثمان بن سعيد العمري» صاحب الإمام علي الهادي، وقد تطوّر ليصبح محلّ ثقة العسكري ثم سفيرًا للمهدي أيضًا. انبرى يتلو روايات ويريني مصادر إضافيّة لها ويثبّت لي إسنادها؛ حفظت منها قول الإمام «الحسن الثاني» عن ابنه المهدي وكأنّه يخاطب المشكّكين حتى زماننا: «هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه. ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتمّ له عمرٌ، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره.. فهو خليفة إمامكم، والأمرُ إليه».

في أقلّ من أربع وعشرين ساعة، فهمتُ أن أسئلة أخفيتُها أربع وعشرين شهرًا تقريبًا، تنتج عنها أسئلة، وقد شرعتُ ألمس الإجابات. أشبعتني إسهاباتٌ منطقيّة ونتائج، وأُهديت كتبًا أضاءت دماغي. 

وتكرّرت اللقاءات أسابيع وأسابيع. ولجتُ عالمًا مدهشًا من تعلّم ما ظننت أنني أعرفه قديمًا. استفسرُ ولا أستنكر، غدت كلماتٌ من تاريخنا ومصطلحات لمستقبلنا مثل نسمات تداعب رئتين في حرّ الصيف. بحياتي لم أعشق التعمّق في إحدى السيَر كما أمسيتُ مع سيرة الإمام العسكري. 

أيقنت بجدوى «استراتيجية» والد المهدي في التأسيس للأمّة لتحيا انتظار الخلاص. كأنّ تلك الجدوى أمست مصراع شُبّاكي في وجه الزوابع. حقّ عليّ الامتنان للإمام العسكري، وقد وقع في قلبي أنّه أدار عمليّات الوصل بين أهداف أوّل محمّد وآخر محمّد، بناءً وحماية وتعيينًا لسفراء وتسليحًا بالإيمان، ليس أثناء عمره فقط بل لكل زمان.. فهل يرتاح تائه الصحراء عند الواحة أكثر مني الآن؟ 

ها أنا أستعيد كل تلك الأحداث. أكانت معجزةً أم صدمة أم جذبة أم سببًا ونتيجة؟ لا أعلم، لكن ما أعلمه أن «الله» هو مسبّب الأسباب، وأنني سأقدّم في كلّ «نصف شعبان» هدية غالية للقطعة من الجنة «زينة».

أفكّر في البحث عن لعبةٍ حِسيّة حديثة كما نصحتْني كريمة، أمسحُ شاشة الهاتف في يدي، أضغطُ ببصمتي، وإذا بعشرات المنصّات تنبثق على الشبكة العنكبوتيّة مثل منصّة «عاصم»، تحت عنوان: «عماد، إليك مقترحات قد تهمّك!».