عطشُ الإوزِّ

كان الليل قد بسط سلطانه وجبروته على طُرُقات مكَّة وأزقَّتها، وأخذتْ أصوات النهار وضجيجه تخفت شيئًا فشيئًا؛ ليحلَّ محلَّها صرير الحشرات الليلية المدوِّية في الأرجاء.


دخلتُ على والدي كان قد هدَّه الهمُّ والغمُّ بعد وفاة أمِّي خديجة، فلم أره حزينًا أكثر من قبل، كانت الأمور تشتطُّ في مكَّة وقريش لا تفتأ تحيك المؤامرات ضدَّ المسلمين، حملتُ قطعة من القماش؛ غطَّيت بها جفن العجين الذي أعددتُه من أجل خبزه في الصباح ثمَّ قلتُ :

-      ما بالُ رسول الله قد وهن وبان عليه الضعف؟

ترقرقت في عينَيْه بنيَّات الدمع، وأدار نظرة حيرى في الأرجاء، دخل عليٌّ في هذه الأثناء يحمل شيئًا من الحطب وضعه في جانب الحوش، وهو ينظر إلى الإوزِّ في الجانب الآخر فنادى:

-هل أطعمتِ الإوزَّ يا فاطمة؟

-      نعم، شيئًا بسيطًا من فاضل الطعام

بعدها حمل قربة غسل بها يديه، و أراد أن يملأ جفنتهم ماء، ولكن شغله شاغل، فتركهم ودخل الغرفة، ما إن وقعَت عيناه على الرسول حتى اشتدَّ به الهياج فاقترب منه متسائلًا:

ما بالك يا رسول الله؟ ما هذه الغمامة الممتدَّة على وجناتك الباسمة؟

كان الرسول جالسًا، وقد أسند يده إلى  جوانب جبهته، رفع رأسه ورمى نظرة نحو الأُفق ثمَّ قال:

-      ثمَّة مؤامرة لقتلي هذه الليلة، بلغني أنَّهم يخطِّطون لذلك!

انهمرت هذه العبارة على رأسي كصفعة قاسية أشعرتني بالانفلات، انخطف لوني وجمُدت عيناي كلؤلؤتَيْن ثابتتَيْن لم أشعر بهما، كنتُ ضعيفة أصارع في ميادين الوحشة والفراق التي تركتني فيها أُمِّي خديجة، انتابني القلق حتى أوشكتُ على الوقوع، فخاطبني عليٌّ :

-      لا تخافي ...انتظري لننظر ماذا نفعل؟ ثمَّ نظر ناحية الرسول قائلًا :

سوف أنام أنا في الفراش، بينما تخرج أنت مغادرًا مكَّة صوب المدينة .

أكبرَ الرسول كلام هذا الفتى ، وتدوَّرت عيناه، ودارت الأفكار في رأسه صاخبة متدافعة، بينما نظرتُ إليه بفخر وقد شعرتُ أنَّ قوَّةً جبَّارةً قد اجتمعت من كلِّ العوالم، وتكوَّرت في عليٍّ تلك اللحظة.


جئتُ برداء أبي فلبسه واستلقى في فراشه هانئ البال:

كانت القبائل العربيَّة معروفة بهمجيَّتها وقسوتها التي اكتسبتها من خشونة الصحراء، وضراوة العيش في تلك البقاع، مرَّت عليَّ اللحظات ثقيلة كالكابوس بعث فيها القلق سرابًا مشؤومًا؛ يردّد صدى أفكارٍ ما أفصح عنها لسان، فقد أرسَلَتْ كلُّ قبيلة رجلًا للمشاركة في قتل الرسول حتى يضيع دمه، ولا تُتَّهم إحداها بهذا الغدر ..

ماذا لو هجمَ أحدُهم وطعنَ عليًّا قبل أن يتأكَّد من أنَّه محمَّد أم لا؟

مرّّت كلُّ ساعة بدهر، وأنا أنظر ناحية الباب أتوجَّس خيفة من مجموعة رجال مسلَّحين يقتحمون الدار .

ماذا لو قتلوا كلَّ من في البيت ولم يرحموا أحدًا ؟

تزاحمت الأفكار في رأسي وأخذت تطنُّ في قاع جمجمتي الملتهبة، كانت فرائصي ترتعد وتتسارع نبضاتي كلَّما فكَّرتُ بالنتائج، وعليٌّ ممدَّد غير مبالٍ، وكأنَّه في رحلة استجمام و يا لها من رحلة، رحلة بين الحياة والموت، بين الفناء والبقاء، بين الغوص في قاع العدم وعرش الملكوت.

كنتُ منشغلة بردِّ الأفكار المتزاحمة عندما سمعتُ أصوات همْهَمَة في الخارج؛ ما لبثت أن تكاثرت، وفجأة دُفِعت الباب وهجمت مجموعة ضارية من الرجال الملثَّمين المدجَّجين بالخناجر والسيوف؛ التي طالما تقاطرت دمًا في ميادين الغدر والدسيسة...أوشك أحدهم أن يهجم على الفراش ويملأ من فيه طعنًا، هنالك شعرتُ كأنَّ شعبة من شعاب قلبي قد هوت بين أضلاعي، ولكن سبقه آخر وهو يرفع الغطاء زاعقًا بصوت فظٍّ:

-      لا بدَّ لي من النظر في عينَيْه عَلّي أجد إلهًا يحميه ... وأطلق ابتسامة خبيثة سرعان ما تلاشت وحلَّت محلَّها أمارات الدهشة، وهو يرى عليًّا مستلقيًا بكلِّ هدوء؛ تندُّ عن شفتيه ابتسامة وكأنَّه قد دخل في حوار لطيف مع الملائكة، قام من مكانه وسألهم من أنتم وماذا تريدون؟ فسألوه وقد أذهلهم الغضب وتململت السيوف في أيديهم :

-      أين محمّد؟!

فقال : وما أدراني أجعلتموني رقيبًا عليه؟! ثمَّ قام من مكانه كمن تذكَّر شيئًا قد نسيه، كانت شمس الصباح قد أرسلت بأشعَّتها الذهبيَّة تغازل الخليقة الغافية، خرج إلى الحوش، ثمَّ حمل قربة الماء، وملأ بها جفنة الإوزِّ التي أوشكت على الفراغ .