image alt

دموع على الجدار (النص الفائز بالمركز الثاني بمسابقة أم البركات)

دموع على الجدار    (النص الفائز بالمركز الثاني بمسابقة أم البركات)

الاضطراب شيء طبيعي، وخفقان القلب، وجفاف الفم، فالتحليق بين السماء والأرض له رهبة كبيرة لا يمكن تجاهلها، هذا المخلوق الضخم الذي يشق عباب السماء، يلامس الغيوم متى ما شاء بل إنّه يتجاوزها، يرفع جناحيه عاليًا، يزمجر بصوته المرعب، ليشقّ طريقه نحو وجهته.

 في جوفه الواسع يتحرك الناس بحرية، برغم الخوف المتغلغل في داخلهم الذي يمنع من ظهوره قناع الكبرياء، عمري ثلاثة وخمسون عامًا ولم أسافر بالطائرة إلا في هذه الرحلة لأداء مناسك العمرة والزيارة، إنها أول مرة أجرب رهاب المرتفعات الذي أعاني منه، جلست في مقعدي كالحجر صامتًا من دون حراك، تنفسي متقطع، ولساني ملتصق في سقف فمي، ولم تنفع كل النصائح بمضغ العلكة في المرتفعات.

قبل أنْ ننزل وحين اقتربنا من سماء المدينة بأنوارها في المساء كانت فائقة الجمال، فهي بنور محمد- صلى الله عليه وآله- تضيء الكون، درة تتلألأ بوجوده، ووجود أئمة أهل البيت عليهم السلام .

أمي التي تذوب حبًّا بالفواطم أوصتني أنْ أزورَ كلّ أثر لفاطمة الزهراء وأم البنين -عليهما السلام- وقالت إن أمها في وقتها زارت مكانًا يقال له بيت الأحزان كانت فاطمة الزهراء-عليها السلام- قد اتخذته بيتا لها تبكي أباها بعد أن كان بكاؤها يؤذي أهل المدينة، وقد أعطتني أمي منديلها المغسول بدموعها في المجالس الحسينية، لكي أمسح به جدار بيت الأحزان، وأوصتني أن أزور قبر أم البنين-عليها السلام-، أمي التي لم تستطع السفر، بكت بحرقة حين ودعتني، ثلاثة أعوام أجمع القليل الذي يفيض من رزقي لكي خذها إلى الديار المقدسة لكن المرض فاجأها، بَقيتْ طريحة الفراش، منعتني أن أبقى بقربها وقالت:

- اذهب يا ولدي والتزم بوصيتى وادعُ لي.

 في اليوم التالي زرنا البقيع وكلّي شوق لزيارة المشاهد المقدسة، في الحملة رجل دين ودليل يدعى (حملدار)، يشرح لنا المناطق في البقيع قبور الأئمة وقبور الشهداء والصحابة، ويبيّن لنا تلك الأماكن واحدًا بعد الآخر، توقف قليلًا وخنقته العبرة هنا قبر أمّ البنين أمّ العباس عليهما السلام، فتفاعل الناس معه بالبكاء وأنا واحد منهم، وقرأ الشيخ أبيات شعر بحقها ازداد الأنين والبكاء وارتفع النشيج مع الحسرات والآهات.

 قال:

- وهنالك في تلك المنطقة بيت الأحزان البيت الذي بناه الإمام عليٌّ للزهراء- عليهما السلام- حزنًا على أبيها.

منذ سنين خلت هذا المكان كان قائمًا ويزوره الناس، وتصلي فيه قبل أن يهدموه ، إنّه أثرٌ عظيمٌ يحمل بين طياته كثيرًا، منها الاحتجاج على الظلم وبث شكوى ألم الفراق، وقوة الحب والرابطة بينها وبين أبيها، الاشتياق ولوعة الفراق، الصلاة والعبادة، كما أنّه إشعاع نور وبركان للثورات، فهو المكان الأول للرفض في الإسلام.

تخطيت المجموعة وأنا أمشي نحو السياج، فتحته وتوجهت نحو البقيع، ذهبت إلى بيت الأحزان، طرقت بابًا قديمًا يحمل حلقةً حديديةً، انفتح الباب، دخلت إلى مكان يملؤه الطيب، ورائحة البخور كأنّها رائحة بخور أمّي وقت الغروب، وسمعت أنينًا شجيًّا وآهات تصدع القلب، كلّ نشغة كأنّها تسحب كلّ هواء البيت وتلفظه، حرارة عجيبة وحرقة تذيب النفوس قبل الأجساد، كيف يعرف حجم الحزن الذي كان يحوم في هذه الغرفة بل كيف يمكن أن يقاس، وبأي مقياس، أرى أن لا حزن يضاهي هذا الحزن.

كانت الصور التي ترسل من الماضي لا يمكن تحملها، رسول الله يلفظ أنفاسه الأخيرة يطلب دواةً وقلمًا، ولا يستجاب له، يدفنه خمسة من أصحابه وأهل بيته فحسب، النار عند الباب، الجنين الذي يسقط، المسمار الذي يقطر دمًا خلف الباب، وفدك التي تذهب أدراج الرياح.

سمعت صوتًا خافتًا من فضاء البيت ينشد هذين البيتين:

((نفسي على زفراتها محبوسة

                    يا ليتها خرجت مع الزفراتِ

لا خير بعدك في الحياة وإنّما

                 أبكي مخافة أنْ تطولَ حياتي))

بكيت وبكيت، حتى لم يَعُدْ هنالك دموع تسكب من هاتين المقلتين المتعبتين، تذكرت أمي وصليت لها ركعتي الزيارة، وأخرجت منديلها المبلل بالدموع وعلقته على جدار بيت الأحزان.


قبل أن أخرج انتبهت أن لا أحد دخل معي إلى البيت من مجموعتنا، ولا حتى الشيخ أو الحملدار، التفت إلى الخلف كان الشيخ يلكز كتفي بيده، وأنا قد هومت عيناي بالنوم، من تعب السفر، ممسكًا بقوّة بسياج مقبرة البقيع.