الجزء الثالث والرابع من قصة ملاذ المشاركة في مسابقة أسبوع الإمامة
(3)
في الليلة التي تعرّفتْ فيها إلى الخبر اللعين لم تنم، وفي الليلة اللاحقة لم تنم أيضًا، ثم فجرًا نامت على مُصلّاها، ربّما تكون الطمأنينة التي مَنحتها الصلاة لدقائق، كانت كافيةً لتجعلها تغفو. لو كان القرار بيدها وحدها لما تأخرتْ ثانيةً واحدة، لكنّه قرار ابنتها، التي فتحتْ عينيها على هذا الثراء الواسع والمائدة الممدودة، وتُقدّم أوراقها هذه الأيام لتدْرس الصيدلة في جامعةٍ مُكلفة الأجور، وقرار ابنها الذي فَلَتَ زمامهُ منذ وفاة والده، وتُحاربُ كلّ يوم لتُعيده لساحة الأمان، ثمّ في خضم هذه العواصف يأتي الإعصار المدمّر ليقضي على آخر ريشة براءة في جناحيها. يومَ عرفتْ أن كلّ ما حواليها، بيتها، أملاك زوجها، شركاته وشراكاته، ليست إلّا نارٌ مستعرة اللظى، ستأكلها في أي لحظة.
كان اليوم ثلاثاء على ما تتذكر، والفجر البارد يلسعُ، حتى أنها احتاجت أن تُشعل مدفأتين، طرقَ الباب، كان كهلًا نحيلًا، حدّ أن عظام وجنتيه برزا، مصفرّ الوجه، تقف إلى جنبه -ممسكتان بثوبه- طفلتان توأم، في التاسعة أو العاشرة. أجابتهُ من خلف الباب أن بإمكانه أن يزور جمعية الخير، الجمعية الخاصة بها، وهي تتولّى أمره، لكنّه لم يُغادر، نشج، سمعتْ صوت بكائه، ضعيفًا، مُعذَبًا، طلبتْ أن ينتظرَ دقائق، ثم ارتدت معطفها وأسدلتْ عباءتها وخرجتْ إليه، اعتذرتْ أن لا رجل في البيت، اعتذر لزيارته البيت، لأنه وجَدَ المكتب مُغلَقًا، سألَ عن جلال، وحين أخبرتهُ أنهُ توفي الأسبوع الفائت، أضاءت عينيه، وفتر صوته، وربّما خفّ ارتجافه. بحث في جيوبه وأعطاها مبلغًا يبدو أنه رُزم مُسبقًا، اعتذرَ أنه تأخر عن الموعد، وتمنى ألا يكونوا استخدموا الصك أمام القضاء!
عرفتْ فيما بعد، عن طريق الكهل الواقف بالباب، بالخبر العاصف، إن زوجها كان يتعاملُ بالمحظور، بالربا، وأنه يوّقع الذين يتعاملون معهُ على صك دون رصيد، ما يوفر لهُ أن يحبسه لو لم يُسدّد المبلغ بالوقت المحدّد، مع الفوائد، بالوقت المحدّد بالساعة والدقيقة والثانية.
هذه الدقائق القليلة في البرد، صباح الثلاثاء، كانت دقائق فاصلة في حياتها، وحياة عائلتها، منعطفٌ لم تحسب له حسابًا قبلًا، أي محنةٍ يبتليها الله بها، وهمستْ لنفسها والكهل يتحدّث، يا أبا صالح أدركني، أدركني، أدركني.. ثمّ غابتْ عن الدنيا..
(4)
الفجرُ في قلب أم سلام، وسلام، ونور، يتهيأ للظهور، يمكنك الآن أن تتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود منه، واضحًا في قلبِ أم سلام، مرتبكًا في قلب نور، قلقًا متوجسًا في عقل سلام.
لم تكن أم سلام وريثة غنى، في شبابها، اشتغلت خيّاطة بسيطة لنساء حي شعبي بسيط. كان ذلك قبل أن تحصل الطفرة الكبيرة في حياتها، إذ بدأ زوجها، العاطل عن العمل، البارد تجاه عائلته، يزيد دخله كلّ يوم، وأصلُ الدخل يعود لبيت صغير، ورثته أم سلام عن أمها، باعته لتفتحَ مشروعًا لزوجها، عسى أن تتغيّر حياته وتنحرف إلى النشاط والعمل.
لم تكن أم سلام فقيرة قبلًا رغم أنها بالكاد تجمعُ قوت يومها، فهي تملكُ من عِزّة النفس ما يجعلها أثرى من أي إنسانة على الأرض. لكنّ العائلة التي رُزقت بسلام، ثم نور، كانت تبحثُ عن أبٍ قدوة لأطفاله، ولم تُفكّر أم سلام أبدًا فيما يفكّر فيه زوجها، أن يكذب عليها لعشرين سنة، ويُتوفى وهو كاذب، ولكي يُتقن الكذبة فقد افتتح محلًا للسجّاد، لم يكن إلا غطاءً لكذبه السافر، ولكي يكَمْلَ استدراج الله له، فإن المحلّ الصغير كان يجني دخلًا جيدًا، ولكنّه لا يقارن بالدخل من الربا، استولى الحرام على عقل الرجل، ولم ينقطع عن عمله في الربا.
قالت أم سلام لابنيها الذين اجتمعا في صالة البيت: أنا اتخذتُ قراري، لا عيشة لي في هذا البيت بعد اليوم. لا عيشة لي من أموال زوجي، ولا إرثه، أودُ أن أخبركم بما اكتشفته، ظللتُ لسنين أعيش في نار أججها أقرب الناس إليّ، ورحل.
حاولتْ نور أن تُقاطعَ أمّها، لكنّها أومأت أن تسكت، وأكملتْ: لقد كبرتم، وكلّ منكم يتحمّل مسؤولية نفسه أمام الله، ولكنّ قراري أني سأعودُ لحياتي قبلَ عشرين سنة، حياةُ أغناني اللهُ بها عن الناس.. ولم تُكملْ! وقفَ سلام، وكأنه سلام آخر، ابنٌ لم تلده، ولم تجهد في تربيته، صاح: لن أعود لحياة الفقر، كما لا ينبغي اتخاذ قراراتٍ سريعة في هذه الأمور، اهدأي يا أمّي، وستتخذين قرارًا مغايرًا بعدَ أيام، فقطْ تخيّلي لو عَرَف الناسُ سبب تخلّينا عن ثروةٍ طائلة، وعودتنا للحال السخيفة التي كنا نعيشها. صاحتْ أمّه: الناس، الناس.. وماذا يقولُ عنّا الله، وهو يرانا نتخبّطُ في نار تزيدُ كلّ يوم، الناس! الإمام المهدي هو سيّدُ الناس، أليسَ هو من الناس، ماذا نُخبرهُ لو سألنا عن طِيب ما نأكل ونشرب ونسكن، يا ولدي، أعرفُ أن التيّار جرفك، النهرُ القذر حبسك بين ضفتيه، لكن.. وأتتها الضربة الأخرى من مكانٍ لم تتوقعه، قاطعتها نور: حتى أنا.. لن أفرّط في ثروةٍ جُمعت عشرين سنة، بقرار اتخذ في نصف ساعة.. شعرت أم سلام أن الدنيا تدورُ وتدورُ، ولن تهدأ عن الدوران حتى تضع رأسها على الطاولة.. ثمّ غادرتْ، إلى غرفتها، وجلست على الكرسي الصغير أمام النافذة المطلّة على الشارع الكئيب حتى الفجر.
في الصباح، توسّطتْ أم سلام المائدة، بدا عليها الهدوء رغم اصفرار وجهها، وحمرة عينيها، قالت: أعتذر منكم، أنتم أولادي ولا بأس من الاعتذار لكم، لكنّي فكّرتُ مليًا في نقاشنا البارحة، واتخّذتُ قراري، أنا أريدُ حصّتي من الإرث، كاملةً لانقصَ فيها. استمرّ الهدوء لدقائق قبلَ أن تبتسم نور، ويُصفّق سلام. الآن استوى أمرُ العائلة على قرارٍ واحد، لولا أنّ أم سلام استمرّت بالكلام: ولكني لن أستلم حصتي، سأهبها.. عادتْ نور للمائدة بعدَ أن غادرتها، لمن تهبينها يا أم سلام؟ أجابتْ: للمقترضين، للناس.. أنا أريدُ حصّتي كاملةً بقدْرِ فوائد الناس على قروض الربا، يمكن لك أن تُرجع رأس المال يا سلام، هذا مسموحٌ لك، لكنّ الفوائد هي حصّتي من إرث أبيكم، وأنا أريدُ حصّتي دون أن تنقص دينارًا..
قالتْ كلمتها، ودخلتْ غرفتها، أخرجتْ كيسًا صغيرًا، وارتدتْ عباءة قديمة، قالتْ: أنا عائدةٌ لبيتنا في الحي القديم، وهذا، وأشارتْ للكيس، هو كلّ ما جلبته معي حين دخلتُ هذا البيت، سأعودُ به، ولا تنسَوا فإن البيت القديم بيتنا. بيت كلّ فرد في عائلة أم سلام، ولن يُقفل بوجهِ أحد.
لم تحتملْ نور أكثر، صار الأمرُ يدورُ بين أمرين، ثروةٌ تتمسّك بها، أو أم تُفرّط بها، واختارت بلحظة بياضٍ وطُهر، كان الخيط الأبيض بان في قلبها، فجرًا وضّاءً، احتضنتها أم سلام، وترافقا سويًا للبيت القديم..
في البيت الخالي، في الليلة السابعة بعد فراق أم سلام، تجرّأ لأول مرة أن يدعو أصدقائه، أن يُحوّل محراب صلاة أمّه إلى مجلس للشرب، في الدقائق الأولى أحسّ بلدغة ضمير، ثم اندمج في الرجس، حتى أنه نسي كلّ شيء، غابَ عقله تمامًا، ولكنه في لحظةٍ، شعَرَ بضربةً قويةً تلقّاها صدغه، وخيط لونٍ أحمر نزلَ بين عينيه وغطّى فمه، كانت كلّ الأمور ممهِدّة لهذه اللحظة، جريمةٌ كاملة، شابٌ وحيدٌ في بيتٍ كبير، وثلاثة أصدقاء جمعهم الرجس، سيجعلونه ينزلُ في وحل الخطيئة، ثمّ يضربونه، يسرقون كلّ ما في البيت، ويفرّون.
وهو على بلاط البيت البارد، وحيدًا، ضعيفًا، عادَ به الزمن إلى عمر السادسة، يتذّكرُ الحادثة جيدًا، ويتذّكرها الآن كما لو حَدَثت الساعة، انجرفت السيّارة المتجهة إلى الشمال في الوادي، سيارةٌ تحمل ستة وثلاثين راكبًا، صرختْ أم سلام وهي تحتضنه بقسوة، يا أبا صالح أدركه وأدركني، نعم، يتذكّر ذلك كما لو حَدَثَ الآن، حين أفاقوا من الصدمة كان خيط الدم يسيلُ من رأسه، ولكنّه دم راكبٍ آخر، حين نهضوا، عرفوا أن جميع من كانوا برفقتهم أصيبوا، وبعضهم توفي، الوحيدون الذين خرجوا سالمين، سلام وأمه، ظلّت الحادثة تُتداول لأسابيع، الخياطة أم سلام نجت من حادثٍ قاتل، ثم بعد مرور السنين نُسي الأمر تمامًا، ولكنّ أم سلام ليست قريبة إليه اليوم، وحيدٌ هو في بيتٍ واسع، تعرّض للغدر ممن يسمّيهم أصدقائه، صفّقوا له، شجّعوه أن يغيب عن عقله، وأمامهم بيتٌ لرجلٍ مرابٍ، وابن رجل مرابٍ، مليءٌ بالمال الحرام من مختلف الأنواع.
وفي لحظات اختلط فيها الخيال بالحقيقة، سمع رنين الهاتف، رنّ مرّاتٍ ومرّات، ولم يستطع أن يمدّ يده ليجيب، بعد ساعات استيقظ في سيّارة إسعاف، في الطريق إلى المشفى، ورأى فيما يرى الغائب عن الوعي، المشهد الذي أحبّه في طفولته، هو تحتَ عباءة أمّه، التي تشبه خيمة أمان، حتى يصلَ باب الإمام الكاظم، فيتسلل الأمانُ إلى قلبِه، ويخرج من عباءة أمه إلى فضاء النقاء الرحب. وسمعَ الصوت الرقيق إياه، الذي كان يدعو لهُ صغيرًا، سمعهُ الآن واضحًا، يصرخ: أدركه وأدركني، تُعيدُها مرّاتٍ ومرّات، ويدها تُمسّدُ شعرَه، سحب كفّها، ووضعها على شفتيه، قبّلها وابتسم، وعرفَ أنه سينجو..