وطال الغياب
النص لمشارك في مسابقة أسبوع الإمامة

كان يمشي بخُطىً وئيدة منكسرة، على الطّريق الّذي مازال يعبث فيه ليلٌ بهيم ورياحٌ عاتيات أضاعت فيه الرؤية والخطوات. ظلمة حالكة ملآى بصفير ريح الضَّلال، الّتي هيمنت على كلّ أرجاء الطّريق، فلم يعد هناك ما يوحي بالحياة غير أمل عميق وشوق وانتظار للقاء بقيَّة الانوار. قلبه الَّذي مِلْؤُهُ الإيمان والمودة والحنين، أرهقه وعذَّبه ذلك الانتظار والشّوق الحزين، لطلوع الشّمس الّتي تحجبها السّحاب. أحلامه الدَّفينة تحت ركام السّنين، مازالت تهمس أنَّ اللقاء قريب، لكنّها أماتت التَّصبُّر في انتظار الحبيب، الَّذي طال غيابه ولم تهيجه فاجعة المصباح وغَلَبة الظّلام والرياح الّتي لم تزل تعبث في صراطه المستقيم. فمنذ أن انحرف زعماء الظّلام عن صراط أصحاب النّعيم، وشقّوا لهم سبلاً عِوَجا؛ سلّطوا عليه رياح الضّلال؛ لتقتلع الشّجرة المباركة؛ فيغرسوا مكانها شجرة خبيثة، تفتك بالمشكاة والزّجاجة، وتطفئ المصباح؛ فيعمُّ الظّلام.

تداهمه رغبة عارمة في أن يبكي بكاءً شديدا، ويخضّب الطّريق بدموعه، لكنّه كان يجاهد رقّة قلبه الّتي ترشح من عظيم ما فيه من المودّة؛ فقد تعلّم أنَّ الظّلام والضّلال لا يُهزمان أبداً بالعويل والدّموع، ولا يُعجَّل اللقاء ببقيَّة أهل النَّعيم إلّا بالمجاهدة والعمل والسّير الحثيث على طريقهم المستقيم، وهذا يحتاج الى قلب صلب شديد؛ فواصل المسير وهو يجاهد على أن يتماسك أمام الليل والرّياح، كي لا تسيح دموعه كلما تذكّر الفاجعة، ولكنَّ قلبه -بعد بضع خطوات من السّير والمجاهدة والكدح وحسرة العتاب والتّعجيل- ما لبث أن جفَّ من فرط جموده وتفطّر؛ فأحسَّ بتعب شديد شلَّ مفاصله وأرهق خطواته فاستضعفته ريح الضَّلال ودفعته باستخفاف؛ فخرَّ على ركبتيه عاجزاً عن المسير، ثمَّ تكوَّم ملفوفاً بحزنه وتعبه ولهاثه وسط الطَّريق كأنَّه يحتضر. بيد أنَّ أحلامه الذَّبيحة الَّتي كانت تحيط برأسه الَّذي صدَّعه الهزيز بما يحمل من أكوام الشُّبهات، وسكاكين التَّضليل الأُخرى، مازال لها -رغم نزفها- تأثيراً على قلبه المفحم بالمودَّة والإيمان. اِنتبه، تحرّك بصعوبة بالغة، اِستند على كفّيه محاولا النهوض، تناهت إلى مسامعه -أثناء ذلك- أصوات مألوفة وبكاء ونحيب، كانت تصل إليه مختلطة مع هزيز الرّيح لكنّه استطاع أن يميّزها ويتعرّف عليها جيداً، إنّها أصوات ونداءات ذوي القلوب الرّقيقة من المنتظرين ومناجاتهم وبكاءهم، شوقاً للقاء بقيّة المنعم عليهم وحزناً وألماً لما آل إليه طريقهم. 

يبدو أنَّ الرّيح قد ألقته بالقرب من حشدٍ كبيرٍ ممّن كان يعيب عليهم رقّة قلوبهم، وها هو يسمع أصواتهم. التفت نحوهم؛ هاله ما رأى، لقد استطاع أن يبصر أشباحهم؛ لأنَّ نوراً ضئيلاً ينبعث بينهم، كانوا يجلسون في صفوف منتظمة ومهيبة، أحسَّ -وهو ينظر إليهم- بأُلفة مريحة أسكنت جزءاً من أوجاعه وأعادت له بعض قواه؛ فتحرَّك باتّجاههم واقترب منهم. انتابته دهشة مليئة بالإعجاب والإكبار والإجلال، ترشَّحت منها تساؤلات كثيرة وأفكار جديدة تحوَّلت -في لحظة- إلى حقائق راسخة؛ وهو يرى الدّموع الغزيرة الَّتي تهطل من أحداقهم، وتتناثر أمامهم على الطَّريق ككرات نور، لقد كانت كافية لهزيمة الظَّلام كلّه، مثلما كان دوي هتافاتهم وأنينهم وصراخهم كافياً ليغطّي كلّ الضَّجيج الَّذي تبثّه رياح الضَّلال.

تحرَّك بسرعة واندسَّ بينهم، أثنى ركبتيه وعدَّل جلسته واصطفَّ معهم، وأطلق العنان لقلبه ليتفجَّر مودة حتَّى أتمَّ أجر أصحاب الطَّريق، وانطلق يبكي بكاءً شديداً غطّى على كلّ شيء. ولمَّا نظر إلى شلّالات الدّموع ألَّتي كانت تتصبّب بين يديه؛ أحسَّ بالعشو من جرّاء النّور السّاطع منها، اقترب منه أحد المنتظرين، وهمس في أُذنه: اِحتفظ بهذه الدّموع المنيرة، الَّتي تنبع من أعماق روحك الطّيّبة المنتظرة الَّتي ملؤها الإيمان والمودَّة مخرجةً معها كلّ آثار الضَّلال والظَّلام من الغفلة والشبهات؛ فإنَّها ذخر لك بعد الرحيل من هنا إلى المصير؛ لإننا لا نلبث أن نغادر هذا المكان إلى مصيرنا الأخير حالما تنتهي آجالنا، فهي سوف تنير لنا دربنا هناك. ونحن متيقنون أنَّ حظوة وجاه هذه الدّموع الصّادقة والبكاء عند ربّ العالمين، ستعجّل الفرج، وتظهر النور، وتطرد الظّلام. 

أخذت أحوالهم القدسيّة وكلماتهم منه كلّ مأخذ، وتيقَّن أنَّه في المكان الَّذي سوف ينال فيه الحظوة عند الحبيب المنتظر؛ عدَّل جلسته بين المنتظرين البكّائيين الجالسين بلا مسير، وواصل معهم البكاء منكبّاً على الدّعاء بالتّعجيل، وجمْع المزيد من الدّموع وثواب البكاء والعويل لما بعد الرّحيل، وسط الطّريق الّذي مازال يعبث فيه الظلام والضلال والليل البهيم. ذلك الليل الّذي لم يعد يعبه بشلّالات الدّموع، الّتي تتناثر على الطّريق ككرات نور، لم يعد يترقّب خائفاً من أن يصلح المنتظرون بها أنفسهم، وينهضوا بها ويشقّوا خيوط الظّلام الّتي هي أهون من خيوط العنكبوت، ويعبّدوا الطّريق لتطلع الشّمس ألّتي تحجبها السّحاب. لم يعد الليل يعبه بها ويخافها؛ لأنَّها حُجِّمت وحُبِست بين جدران السّبات كأجرٍ وثواب. أمّا نداءات وهتافات التّعجيل المدوّية والدعاء، فإنّها اختفت في هزيز الرّياح؛ لأنها صدرت من وسنٍ عميق، فظلّت مجرد أحلام في سديم من التّمنّي؛ فطال الغياب.