image alt

غيبة الذات؛ ظهور القائم

غيبة الذات؛ ظهور القائم
النص المشارك في مسابقة أسبوع الإمامة

اسمع يا بُنيّ، قد تشعر بأنكَ مسلوب الإرادة، مغترب بين أهلك وصحبك، وأن الأمل ميؤوس منه، لكن الله سبحانه وتعالى يقول: ويومئذٍ يفرح المؤمنون. أتعلم أي يومِ هذا؟ 

_ أي يوم يا جدي؟

    من رواية وردت عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن المقصود من فرح المؤمنين هو قيام القائم المنتظر (عليه السلام)، فهو يوم العدل وإحقاق الحق... لا تخف ولا تحزن.

    بعد أن بلغ أربعين عامًا من العمر، ظل حوار جدِّه محفورًا في ذاكرة رضا، وعلى الرغم من إيمانه بصدق وورع جدِّه وبحثه المستمر عن الحقيقة، ظل الشك يساور قلبه، إذ يشعر دائمًا بأنه محاصر من كل الجهات، غريبٌ بين أهله وصحبه، يهرب من التلفاز فتواجهه وسائل التواصل الاجتماعي، يفرّ إلى المكتبات فتستقبله العناوين المضلّلة، يقرأ فيزداد تردده، يجالس رفاقه في المقاهي فيواجه صدًّا ووجومًا من الحاضرين!

   حين قرر أن يعتكف في المسجد لم يجد ما يسد حاجة عائلته من مصروفهم الضروري، فهو مضطر إلى أن يواجه الناس كلهم في عمله وقضاء حوائج حياته اليومية مشبعا بغربةِ الذات وغيبة الهوية، حائرًا في ظل استسلام جمعيٍّ للأفكار المعلبة المستوردة الجاهزة، يرى التشتت والتشظي غاطسا بعمق المجتمع، ويعي أن ما يحدث عبارة عن هجمة منظمة بمنهجية الجيل السادس والحرب الناعمة، لكنه يجد نفسه وحيدًا ضعيفا كل مرة يقف مدافعا عن عقيدته أو إيمانه... أو بشارة العدل المنتظرة في آخر الزمان، وتجذر في نفسه النقيضان: السير مع انهيال المجتمع نحو العولمة التي تدس السم بالعسل؛ أو الثبات ومواجهة التضليل؟

    يتذكر أحاديث جدّه وقراءاته عن الغيبة فتستقر نفسه، ولكن ما أن يدور حديثٌ بين الطلبة في الكلية أو في مجالس الأقارب حتى تتسلل الريبة آلى نفسه، يرى وسائل الإعلام وما يُنشر ويتفحصه، فيقتنع أول وهلة، وما أن يعود إلى كتب المذهب الحقيقية ويزور أئمة الهدى حتى تعم سكينة في نفسه، وبين هذين الشعورين تأزمت حالته الذهنية وصار يشقى بحياته ويميل للعزلة رويدًا رويدًا، صار بمرور الزمن مملوكا للوسواس واليأس، لا يألف أحاديث المحدثين ولا الكلاسيكيين، محنة تربعت على وجدانه، تجره المغريات بسلاسل الوهم وشعارات مفرغة من تاريخ مجتمع عريق.

    نحل جسمه وكبرت هالات عينيه وانخفض صوته، وصار لزامًا عليه أن يجد مهربا لفضاء الحقيقة لتستفر روحه.

    في عزلته المعتمة، وبينما أخذ الوهن منه مأخذه، قرر أن يشغل المذياع ويسمع شيئا يروّح عن نفسه، فإذا بمحاضرة لشيخ يقول: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلزال يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض".

   بعد أن يئست عائلته منه، وظنوا أنه لن ينجو من وعكة الفكر الصارمة، وأن مرض قلبه وجسده استشرى في كيانه؛ فوجئوا به خارجا من غرفة نومه مبتشرا، يرتدي أبهى ملابس عنده، تلمع عيناه بثقة راكزة، حياهم بحرارة وتجاوز غرفة الجلوس وسط ذهول أهله كلهم، لم ينبسوا ببنت شفة، سقطت الصحون من يدي أخته وظل السكون مخيما عليهم سوى صوت الشيخ في التلفاز خارجا من غرفة رضا...