البلدة الطيبة
النص الحائز على إشادة في مسابقة أسبوع الإمامة

حاضنات الموت تفقّس من جديد، فالموسم مؤاتٍ له، البوابات مشرعة، والحراس غائبون، أصاب الرمد أغلب العيون، الموت الأصفر يحيط بناحية آمرلي الوادعة من دون مقدمات، الأطفال الغريرة تفزعهم أصوات الانفجارات القريبة، الشيوخ والنساء يبحثون عن جدار أكثر منعة للاحتماء به، الرجال مذهولون من هول الصدمة، دائرة الموت تحيط بهم من كل مكان، وألسنة اللهب تتطاير من المنازل القصيّة، ثم أطفال حفاة يهربون مذعورين، وأمهات مرضعات يركضن مرعوبات بلا توقف، وشيوخ هرمة تحاول اللحاق بما ظنوه منقذاً لهم؛ جسد لوحة انطباعية حزينة لا يمكن وصفها، أو الإحاطة بها، تتوضح الصورة الكاملة أمام الجميع بعد ساعات قليلة، كل البلدات القريبة سقطت وأعلنت البيعة كرهاً أو طواعية، البعض تنفس أخيراً وبقوة وسحب معه الكثير، فالسنبلة الفاسدة تفسد بقية الزرع، والعفن الصغير يتبرعم ويقتل شجرة عتيدة، والأرض الرخوة تجذب العقارب والأفاعي، والشياه الموبوءة تفسد القطيع. 

في الباحة القريبة من منزل الشيخ الكبير علت أصوات المئات، البعض يحمل بنادق روسية الصنع، البعض الآخر أسلحة صغيرة الحجم، آخرون غنموا أسلحة متوسطة عجز الجنود عن حملها عند ترك مواقعهم مرغمين، يجيد الكثير من السكان استخدام تلك الأسلحة، ففي أزمنة ليست بعيدة أجبروا للقتال في حروب عبثية، بعض الظلم يكون مفيداً حين تنعكس الصورة، فاستعادوا بسرعة الدروس التي غادروها منذ سنوات، انصهر الجميع في خلية واحدة تتحرك بتخطيط مدروس ومبسط لكنه مفعم بالشجاعة. 

النقاط الرخوة تم تحصينها، الشيخ الكبير يوزع الأدوار على من يستطيع القتال، المتعبون منهم يجدون متسعاً للراحة وبدائل لهم، وخشية نفاذ الأطعمة تم اللجوء للتقنين بكل شيء فالرب وحده من يعلم كم ستطول المحنة.

في تلك الأثناء استطاع أبو أحمد وبعض الفتية المساعدين له من إصلاح الطاحونة القديمة والوحيدة في الناحية وملئها من وقود بعض السيارات المتوقفة، فالدقيق عصب الحياة للجميع، كيف ومن يعيش هذا الظرف، فلا يجد أمامه سوى الخبز والتمر ليعينه على المواصلة.

بعد ساعات قلائل رأى سجاد مياهًا سوداء لها رائحة كريهة نازلة من الصنبور، فصاح بقوة:

_ لقد لوثوا المياه؟

بعد قطعهم للتيار الكهربائي وشبكات الاتصالات، قرر الدواعش كأسلافهم بني أمية حرمان المحاصرين من المياه، فعمدوا لتفريغ حمولة صهاريج النفط في أحواض مياه الشرب، وبكل الأنهر الصغيرة القريبة التي تمر بالناحية.

اجتمع القادة الكبار لتدارك الأمر، قدحت الفكرة في رأس أبي محمد الرجل المسن فقال:

- ليس أمامنا سوى حفر آبار صغيرة بديلاً عن ذلك.

وقع الاختيار على منذر، الشاب المتخصص في أعمال ربط شبكات الإسالة وحفر الشوارع، أعانه على ذلك بعض الشباب الصغار.

خشية الوقوع بأيدي الدواعش وتحسباً لكل طارئ عمد أبو علي لحفر خمسة شقوق في حديقة منزله لبناته الخمسة، وأعطى ابنته الكبرى مسدساً صغيراً يمتلكه منذ سنوات:

- حين لا يبقى أمامكن أحد سوى الدواعش اخترن الموت.

فما زالت كلمات تلك المرأة الإيزيدية الهاربة من الدواعش التي وصلت للناحية ذات صباح تقض مضجعه بقوة حين ينظر لبناته، فحين سألها عن أهلها أجابته:

_ لم يبق منهم أحد.

_ والداك، أخوتك؟

_ أبي وأخي الأكبر اقتادوهم ولم يعودوا مثل بقية الرجال الآخرين.

_ ووالدتك؟

حينها انفجرت باكية.

_ أمي قتلوها بدم بارد، حين منعتهم من اقتيادي لممارسة جهاد النكاح، غرسوا نصلاً صغيراً في جيدها، انبعث الدم بقوة، تركوها تتلوى أمامي، حاولت جاهدة إيقاف ذلك النزيف دون جدوى، كانوا يعطوننا مشهداً واضحاً عن المصير الذي ينتظر من يخالفهم ويعصي أوامرهم، نزفت ببطء شديد فيما بعد، ممضّ جداً الموت بتلك الطريقة، بيدي المقيدة لم أستطع فعل الكثير؛ غير تقبيل وجهها، مؤلم جداً النظر الى أحبائك وهم يتميزون من الوجع دون أن تستطيع فعل شيء يخفف عنهم.

_ وبعد؟

كشر أنيابه ذلك القاتل، كان أشبه بماكنة شريرة تنشر الألم أينما حل، لم يكن هناك ما يدلل على وجود مشاعر إنسانية لديه، وفي عينيه المعلقتين في المنتصف كعيون لعبة؛ تلتمع كرة حمراء مخيفة، ترك أمي بتلك الصورة وابتسم مبتعداً.

حين غادر حاولت بلا وعي مني نفخ الهواء في فمها، لم يكن أكثر من تقبيل شفاه دامية لا فائدة منه، انتبهت لشفاهها تتحرك أخيراً.

_ إنه مؤلم...

بصعوبة تمكنت حروفها من المغادرة.

_ أعرف يا أمي.

_ السكين لا تمتلك قلباً، ذلك الجرح الصغير بحجم الموت، أنفاسي تخرج مع كل قطرة دم نازفة، لم أدرك أن الدّم بتلك السخونة كما وجدته الآن.

صمتت برهة، وأخذتها غيبوبة صغيرة، همست بوجع:

_ ماذا تشعرين الآن يا أمي؟

_ برودة شديدة في أطرافي، وقدماي لا أشعر بهما، أهكذا هو الموت موجع بتلك الدرجة، أم موتي بهذه الطريقة هو ما يجعله بتلك الشدة، ولكن الله أرأف من تركنا نتوجع أكثر من دون أن يهبنا قوة إضافية للتحمل. 

لم أستطع التخفيف عنها، شعرت ببرودة قاتلة تنبعث من جسدها، لقد رحلت وتركتني أواجه كل شيء وحدي.

عندها ضمها أبو علي لبناته الخمسة.

للمرة العاشرة بعد المئة تعاود الوحوش البغيضة التقهقر أمام صمود تلك الثلة المؤمنة، فتمتلئ الساحات المحاذية بالأجساد العفنة، لتكون فيما بعد موائد مجانية للكلاب السائبة.

بعد غروب الشمس تحتضن المقبرة الصغيرة أجساداً جديدة، ودون غسل وارى الأهالي أجساد أحبتهم وأصدقائهم، ووضعوا علب زجاجية عند مقدمة القبور تحمل أسماء الشهداء من المدن البعيدة.

كانت الأرض المحيطة بالناحية خشنة للغاية؛ تخرج منها الحشرات الضارة وبعض الأفاعي الصغيرة والعقارب، فعمدوا لتغطيتها بالفرش البالية والأغطية السميكة وكل ما ينفع لجعلها آمنة وغير مؤذية لأجساد المدافعين الذين يفترشونها قدر الإمكان.

أوصى الشيخ أبو حسن جميع المدافعين قائلاً:

_ لا تطلقوا الرصاص إلا حين تتيقنوا من إصابة الهدف؛ فالأعتدة قليلة، والدواعش يحيطون بنا من كل مكان، الرصاصة الخاطئة صعبة التعويض، فنحن لا نتلقى سوى القليل جداً مما يرمى لنا بواسطة المروحيات وبعض ما بقي لدينا من أسلحة.

عند الظهيرة اقتربت شيئا فشيئا أصوات صرخات وهتافات قادمة من بعيد، تشكلت غيمة من الاتربة فوق المكان، وحين انجلت الغبرة ظهر عشرات الصبية يحملون بأيديهم رايات خضراء ويهتفون بصوت واحد:

_ لبيك يا مهدي، هيهات منا الذلة.

إنهم الصبية المناط بهم توزيع المؤن والطعام والمياه للمقاتلين، لعدم قدرتهم على القتال رغم رغبتهم فيه. 

جرت دموع أبي حسن والقريبين منه بقوة لذلك المنظر الذي يصعب الإحاطة به، فتلك الرايات الولائية ترتفع دائماً فوق الأسطح دون استثناء، لم تكن مجرد راية؛ بل ضمير أمة ومعركة حياة ومصير، كان اسم المهدي يردد على الشفاه دائمًا، ليس في تلك المحنة فقط، بل في كل الأوقات، فتلك البلدة الطيبة عاشقة له بشكل لا يصدق، لدرجة أن أغلب سكانها يحملون اسمه.

كان أبو حسن يمتلك إيماناً راسخاً، فحين ترهقني الحياة وأتصدع من الداخل يعيد لي حساباتي بكلمات قليلة، لكنها صادقة نابعة عن وعي كبير: 

- تجذر الفضاءات السلبية المعتمة في قلبك كتبرعم الخلايا الضارة في جسدك تسبب عطلًا كبيراً وواسعاً في الأنسجة والأشياء الأخرى، وأجدى الطرق للتخلص منها هو في مداومة ذكر الله والتفكر والبكاء على الإمام الحسين والانتظار الايجابي لصاحب الزمان.

_ ولكن إشكالات الموجة الجديدة مبهمة وخطرة وتداعب مخيلة الكثير ممن لا يحمل إدراكًا حقيقيًا وبات التشكيك بجدوى كل شيء هو الغاية حتى الانتظار الشريف.

_ هؤلاء مساكين يا بني، فحين نكون بانتظار رجل رائع سيكون وقع هذا الانتظار بروعة ذلك الرجل، لأنه سيعطي للانتظار معنى آخر، فكيف لو كان الغائب هو من يحمل هم البشرية جمعاء، عندها سيكون الاشتياق أكثر والهواجس التي تملأ القلب أشد، لأننا سنجد عنده البلسم لكل الجراحات، والدواء الشافي لكل العلل، فيمسح أوجاعنا وأحزاننا وما لاقيناه بعيداً عنه، سنروي له كيف كنا في غيابه، وكيف مرت السنوات ثقيلة وموحشة وقاتلة، كيف كانت الصور تنزف على جدار الذكريات، وكيف شاخت الدقائق في مدارات الزمن، وكيف غادرت شفاهنا الابتسامة.

كان في الجانب الغربي من البلدة نهر جف ماؤه منذ زمن، يفصل بين الجانبين، حاول الأعداء النفاذ منه الى الناحية لكنهم دائما يواجهون بنيران كثيفة جدا، فكل المتاريس يملؤها رجال لا يقيمون وزناً للموت، اقتحام هذا النهر يعني النفاذ الى داخل المدينة، فكل الخطوط القوية هي على الحدود المحيطة بها، وبالتالي سيضع المدافعين في مقتل، في تلك الأثناء عبرت مجموعة من الدواعش ذلك النهر، وغمرتهم نشوة الفرح فأرسلوا النداءات لمن خلفهم بسقوط الجدار الاول الممتنع، وعندها لن يكون مستحيلاً سقوط البقية، في ذات الوقت عبرت مجموعة من المدافعين إلى الضفة الأخرى، فالظلام كان حالكاً جدًا، ومن خلال الصراخ والنداء أدركت تلك المجموعة أنها في الجانب الآخر، وأن الدواعش احتلوا الحاجز المكلفين به، فقال محمد لرفاقه:

- سنخدعهم ونجعلهم يظنون أننا مدد جاء لنصرتهم، فنصرخ ونهتف مثلهم، وحين نقترب بصورة كافية نفتح النار بكل الاتجاهات، عندها لن يستطيعوا فعل شيء، لأن الوقت والمفاجأة حينها لن تسعفهم.

انسلت المجموعة وكما خططت، فشعر الدواعش بالفرح حين أبصروا مدداً قريباً منهم، ولكنهم أدركوا العكس بعد فوات الأوان، حينها لم يتبق منهم أحد على قيد الحياة، سوى من مزق أنينه سكون الليل العميق، فتنفس المدافعون الصعداء عندها اخيرا.

ظلت الهجمات تزداد وتتسارع، فالأوغاد لم يألُ جهداً من أجل الاطاحة بتلك الناحية وإسقاطها والانتقام من أهلها نتيجة ممانعتهم.

في اليوم التالي، حين علا صوت أذان الفجر، اهتزت البيوت بقوة قنابل الدبابات التي غنمها الدواعش من قبل، فسقط العشرات بين شهيد وجريح، وتضررت الكثير من البيوت والمباني، وفي منتصف ليل ذلك اليوم استيقظ حميد من نومه فزعاً، انتبه له باقي أفراد المجموعة، فقالوا له:

- ماذا بك؟

- لقد رأيت شيئًا عجيباً.

- وماذا رأيت؟

- رأيت رجلاً قادمًا من بعيد، يطوف بكل السواتر، وعندما اقترب مني مسح على رأسي، وسقاني ماءً يجري من يده كالساقية، ثم التفت اليِّ قائلاً:

- بلغ أهالي آمرلي بأن صاحب الزمان معهم يذود عنهم ويحرسهم ويقاتل معهم.

عندها ضج الجميع بالبكاء وصرخوا بصوت واحد:

_ لبيك يا مهدي، لبيك يا مهدي.

بعد أيام قلائل تكسرت كل الأحلام البغيضة وشعر الدواعش بالهزيمة المنكرة أمام بأس أهالي تلك البلدة المحاصرة، وأرعبهم أكثر، خبر قدوم جحافل المجاهدين لفك الحصار، فلم يتبق أمامهم سوى خيارين؛ الهروب أو الموت.

عند بزوغ شمس يوم جديد أحاطت مجموعة من الصبية بأبي حسن، فقام أحد الصبية متسائلاً:

_ يا عم نراك دائماً قوياً وواثقاً من النصر، رغم كل ما أحاط بنا من مخاطر؟

فقال مبتسمًا:

- بنيّ، اعتدنا حمل السيوف والدروعَ الصغيرة في أيام عاشوراء حينما كنا صغارًا، نحاول تشكيل فريقَينِ، فريقٌ يمثّل الحسين(عليه السلام) وأنصاره، وفريقٌ آخر يمثّل جيش عمر بن سعد، ولكنّ المشكلة أن لا أحدَ منا يريد أن يكونَ في جيش ابن سعد؛ سوى القليل، مع إدراكنا أننا نمثل الواقعة في ذلك العمر المبكّر، وتكمن الغرابة أكثر، أننا في كل مرةٍ نشاهد معسكر الحسين يعجّ بالمقاتلين ومعسكر ابن سعد شِبه خالٍ، وفي كل مرةٍ ينتصرُ معسكرُ الحسين.