تخلجات جذور
النص الحائز على إشادة في مسابقة أسبوع الإمامة

تَحمِلهُ خُطوات مُتثاقلة مُترنّحة، وَراحةُ كَفّه تُسندهُ على جُدرانِ بيوت الحَيّ، تُطالِعه نَظرات مُشفقة، اعتادت مَنظرهُ الكَئِيب في الطُرقات، يَستقبلهُ مَنزله بِأحضَانهِ المُتهالِكة، يَسقطُ جُثة هَامدة، يَتخبّط في ظلام ذَنبه، ذكرياته الموحشة، يَعودُ الى وَعيهِ بَعد سَاعاتٍ طويلةٍ قَضاها وَحيداً، يَرمُق السّقف الرمادي المُغبرّ، عَلّه يُعلمه أينَ هو الأن، يَنهضُ بِبطئٍ، يَتزلزل راسه بِصداع مُباغت، يَصرخ ألماً، يَضربه بِشدة لِيُخفّف وَجعه.

تَمرُ هُنَيْهَةً، يَسيرُ بِلا وُجهةٍ مُحددة، هَل يُريد أن يَأكل شيئا ً؟ هَل تَتُوق رُوحَه الى رَشفة ماء ؟ لا يَعلم مَا يُريد، يَملؤه الضّياع بِتفاصيلهِ الدّقيقة، فهو حَبيس شَياطين نَفسه الأمّارة بِالسّوء. 

لا أحَد بِالقرب، سِوى ذكرَياتِه الغَابرة، يَعيشُ على بَقايا فُتَات يَجِدها في الطُرقات، يَمضَغُها بِمرارةِ النسيان، دُون جَدوى، لا يُمكِنه أن يَنسى كَلماتها، رَائِحتها، وَدفئ حَنينها الرَاحل الى مُستقرّه الأبَدي، وَبرودة قَسوتِه مَعها، وَخسارته العَظيمة للنَعيمِ المُقيم تَحت قَدَميها، 

  • هَل تَشعُر بِالندم؟ 
  • نَدم!؟
  • نعم، نَدم وأدِكَ لِبِرّكَ
  • وَمن أنا لِأندَم! أصبحتُ لا شَيء في هَذا العَالم، غَمَرتني سَكرة الدنيا بِتفاصِيلها الخَدّاعة، وَمضى بَي العُمر، بِطيش الصِبا دَون أن أشعُر 
  • ألا مِن صَحوة ؟ 

يُطأطئ رُوحه يَبحثُ في مَكامِنها المُغلَقة، وَدَهاليزها العَتيقة، عَن خَيطٍ أبيض كَالفجر، عن قَشّة تُنجيه من غَرقه، يُقاومُ بِها أمواج ذُنوبه، صَرخَ بِصوت شقّ جُدران حُلْقُومه: أغرُبي عَني أيّتها الأصوات المشؤومة، لا أحد يُنجيني من حُثالة مصيري، أنتهى أملي برحيلها عني، تركتني قبل ان أعفّر خَدي بِتُراب قَدميها، وأعلن تَوبتي بِبرّها.

شِبَاكُ العَناكب، والنوافذ المنسية، وبقايا الطعام المُتعفّن في الأواني، وملابسه الرثة، توحي بيأسه من أيجادِ نَفسه الأنسانية، يَعجزُ عن رُؤية غَير الظلام، لَكن طَيف ابتِسامتِها يَتغلغل بِرفق، يَفتق غِشاءُ الكون، يَمُدّ له نوراً لِيتعلّق به، كَتعلق الجنين بالحَبْلُ السُّرِّيُّ في بَطن أمه، يُحاول جَاهداً أن يُغذّي رُوحه المُنهكة، نوراً طفيفاً يحنو عليه، يُخفف قَسوة مَاجَنتهُ يَداه، حَاله كَحالِ من غَرّته دُنياه، وَطالَ بِه أمَل الخُلود.

عَادت بِه الذكرَيات إلى الطُفولة، إلى شَمسها الساطِعة، إلى تمتمات دُعاء أُمه، وأمان أحضَانِها، الى جَبينِ وَالده المُتعرّق تَعبا ً، إلى عَيناهما وَهما يَرقبُان شَجرة عُمره تُورق بالخير وَتكبُر، قَاطع ذكرَياتِه صَوتُ أذانُ الفَجر، وتفاصِيل الصلاة ألتي صَدحت بِها مِأذنة المَسجد القَريب مِن مَنزله، أستشعر لأولِ مَرة جَمال رَوحانية كَلماتِها، سَمع بَعدها كَلمات مُختلفة، كَأنّها نَوعٌ من الطَلاسم لا يَفقهُ معنَاها 

( أَللّهمَّ عرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ رَسُولَكَ، أَللّهمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، أَللّهمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي )

 اتَسعت حَدَقَتَيه، يُحاوِل أن يَفهم مَعناها، جَالت تَلك الكَلِمَات في عَقلهِ كَخيلٍ جَامح، وَبينما هَو كَذلِك، لَمَحَ شَيء في زَاوية المَنزل، أمعَن النَظر اليها، أيعقل أن تَكونَ هي؟ هَل عَادت من أجلي؟ نَهض يَستجمع قُوة الكَون،  تَزاحَمت الكَلِمات مَع أنفَاسِه اللاهِثة المُرتَجِفة، سَار نَحوها بِخُطواتٍ ثَابِتة مُفتقدة، أنسَابت دَمعة شَوقٍ فَوق خَديّه، أنحنى يَحملها مِن سُباتِها، لَثمها، يشمّها، يَملئُ رئَتيه بِعطرها، يَلوم عَينيه كَيف لم يُشاهدان سَجادة صَلاتِها من قبل!

 فَتح طَياتِها بِرفق، سَقطت تُربة سِجُودها، وَمسبَحَتها الطينية، وَكتيّب أدعيتها، وَبعض ألأوارق المُقتَطعة بِأحكام، على شَكلِ مُربعات مُنتظمة، لا يَستطيع قِراءتها، الظلامُ يلتحف ألأرجاء، النَوافذُ بِلونِها القَاتِم، بَدت كَحُرّاس قَصر يَمنَعون دخول الغُرباء.

عَمِد إلى إحداها يَفتحها، لم تُفتح!، الصدأ المَلعُون، أحاطَ بِالنافذةِ كَمُحتل استَوطن فَتَجبّر، زَاد ذلك من وَطأةِ وَجعه، أستجمَع قُواه، وأمسَك مِقبضها الحَديدي مَرةً أخرى، سَحَبه بِقوة دَون جَدوى، صَرخ بِهيستيريا، سَدد لَكمةً لِزُجَاجها،  تَطاير حَوله كألالعابِ النارية، تَقاطر الدم مِن يَده دون أن يبالي. 

وَبدأ لِقاءُ جَديد، مَع حَروفها المَخطوطة بِأناملها، أمعَن النظرُ إليها جيداً، فَاضت عَيناه بِالدُموع، حُروف تلألأت مع الشروق، لم تَكن عَادية، بل حُروف نُورانية مِن أهلِ نُورٌ على نُور :

(أفضَل أعمَال شِيعتُنا انتظار الفَرج )

(مَن مَات وَلم يَعرف إمام زَمانهِ مَاتَ مِيتة جَاهلية)

أرتَعدت فَرائِصُه، جَلَسَ على الأرض مِن هَولِ مَا أدرَكه ِمن تَفريطِه لِهذا الكنز، يَتساءلُ مَع نفسه: أينَ هَو مِن كُل هذا النُور؟ وَضع يَده على قَلبِه يُعاتِبه بِانكسار : 

لماذا تَحجّرت بِقسوَتك؟ كيف غَابت عَنك هَمهَمات دُعاءها؟ لماذا لم تَفقه معانِيها؟  ويلي! هل مَاتت جُذور وَلاءِك لِسيّدك؟ هل طُردت من نِعمة حُبه؟ ماذا ان لم تَعرفهُ؟ ألا يَكفيك ياقلب ما قد سلف؟ ألن تَتوب لِتحتَرق الذنُوب، لِتحيا في جنّة عصره؟ 

احتضن طيفها بقوة، تكوّر على عَالَمه، عَاد جَنيناً في رَحِم الحياة، نَبَض قَلبهُ نَبضة نُور،أصَابت جذُوره المُحتضرة تخلّجاتٍ عَنيفة، وُلِدَ مِن جَديد، مُمسِكاً يَد أمه، يَنتَظران مَعاً، شمسُ الموعود .