الناعي
النص الذي حاز على تكريم وإشادة من اللجنة التحكيمية لمسابقة أسبوع الإمامة

واقفاً عند شرفة غرفته يستنشق نسيم الصباح الممزوج بعبق رائحة أزهار الياسمين البيضاء المزروعة في مجموعة سنادين فخارية موزعة في زوايا الشرفة.. بينما هو يتثاءبُ فتح يديه بمستوى مائة وثمانين درجة وبعملية شهيق وزفير اشعرته بالراحة، عاد لضمهما، ثم ضرب صدره بخفة ثلاث مراتٍ بقبضة يمينه، وأنحنى نحو ازهاره يشمها ليلمح أثناء ذلك في الأفق سيدا جليلَِ القدر مرتديا ثياب بيضاء ناصعة، وقد وضع على رأسه قماشة خضراء.. فاحدق به ورآه ينظر صوبه مشيرا الى صدره، ويسعى الى التقرب منه.. ولكن سرعان ما تغير الطقس؛ وهبت رياح قوية اجبرته على التشبث بمشبكٍ نافذة الشرفة، والرياح العاصفة تئدُ ياسمينهُ فتطايرت وريقاتها وتناثرت على حين غرة، ، وهو يحدق نحو السيد الذي لازال واقفا على تلةٍ يرسل إليه ايماءات لم يفقه المعنى منها، فصوته كان يتلاشى قبل وصوله: سيدي مَن أنت؟..

لم يستطع حل شيفرة الإيماءات رغم ثورة الإرادة التي ألمَّت بها ليثبُت أمام شراهة تلك الرياح العازمة على  اقتلاع كل شيء..

هل كان يطلب المساعدةً؟ أو ربما يسأل عن طريق ما؟ فتح فاهه ليسأله، لكنّ الرياح كانت عاتية وجلبت معها الاتربة، فراح يسعل بشكل مفرط حتى صرخت عليه والدته: يا أمي هل عدّت للتدخين من جديد!.  

استيقظَ من نومه على صوتها!.. وهي لازالت مستاءة من لامبالاته وتركه للنافذة مفتوحة!، غير آبهٍ بأجواء الخريف وعواصفه الترابية!، فنهض ليغلق النافذة متململا، فيما تكمل هي لائحة أعمالها اليومية فتضع المقلاة وتضرب القدّاحة أكثر من مرة، وحكايات أسطوانة غاز فارغة، وطلبات قائمة شراء لم يعيرها أية اهمية، لكنّها أجبرته على ابتياعها في الحال.. بينما فتح هو صنبور الماء ليزيل عن وجهه عبسَ منامه والغبار، خيّب الصنبور ظنّه بخرير قطرات قلائل، فتأفف وصبّ قليلها الذي جمعه بكفّّه على وجهه.. وارتدى دشداشته ليخرج الى تبضع ما دونته والدته من طلبات.

لم تبرح مشاهد ما رآهُ في ليلته الماضية من خاطره، فمضى متبسما حتى وصل المخبز فابتاع الخبز ولم يبق من التبضع سوى الفاكهة، فسار نحو البقال يتنقل من صندوق لآخر يختار الفواكه الطازجة، ولايزال منشغلا بجمع الرمان وتفحصها واحدةً تلو الاخرى، واذا بأحدٍ يتقدم نحوه رويدا رويدا ممازحا إياه بصوت مثخن: (بكم هذه.. تبعتها قهقهة بصوتٍ عالٍٍ) - (وكأنه صوت شخصٍ كبير)، التفت إليه فتبسم بوجهه على مزحته هذه، ليضحكا معا على ذاك الموقف، ثم استغرب لمنظره وكأنه عازم على السفر؟، وفي عجالته استفسر منه عن وجهته؟:

  • انا ذاهب مع والدي واخوتي مشيا الى كربلاء.. 

(مأجورون)، قالها وتركه مسرعا الى والدته بأكياس البقالة والخبز، واضعا إياها على طاولة الطعام، وصار يتلفت يمنا ويسارا، مناديا أمه مرات عدة، فأجابته وهي جالسة على سجادتها جاعلة من مسبحتها الطينية مسك صلواتها، قبّلها وقبّلته، وامتلأت وجوههما سعادة، فيما كان ينتظر منها تلك النظرة التي شجعته على طلب الموافقة لأخذ رخصة الخروج للسير الى كربلاء وهو آملا اللحاق بصديقه، وبعد اصرارٍٍ كبير وافقت بشرط ان يراعي صحته ويحذر من تناول الاشياء غير المعلبة وأن يهتم بنظافته ويبتعد عن التجمعات وسيل من التوصيات أنهاها بتقبيل جبينها، ووعدها بأنه يحرص على نفسه، لكنّها لم تقنط من قول أخر وصية!:

  • بُني لا تُكثر من النعي وحاذر من حدّة السعال!!.

وظّبَ حقيبته واعتصب بعصبة خضراء وتوشح السواد وودع والدته واسرع الى طريق أقصر لعلّه يُدرك صديقه، وبعد بضع ساعات، ومع ظهيرة يومه ذاك كان يتهادَ سجدات شكرِهِ من بين يديه بعد أداء صلاة الظهرين في سرداق يخدم جموع الحشود على الطريق، وقبيل ارتقاءه ذاك المنبر المتصل بالسماء، لحظاتٌ يتبتل خلالها منقطعا الى عوالم اللا حدود، وهو يسيرُ كفراشة تتنقل بين اوراق قصائدهِ، فيحطُّ على تويجاتها، يُقبِّلُ مياسمها ويلثم أريجها الملكوتي، وينظر إليها فيكونها.. وينسى كل من حوله.. ويُشغف بعوالمها التي تُحيي العظام وهي رميم..

وحين يشتد الشوق في قلبه: 

- ربي أرني إيّاه وان كان حلماً.

- رباهُ، مزق قلبي الشوق.. ما للوقت لا يمرّ إلا ببطء شديد؟! وكأن ثقلاً من حجر أو حديد يجثم على رئتيّ الآن.. فهل بقي في العمر بقية لأتنفس يومه الموعود؟!.

وما زال يتوسم في الربيع خيراً، لينقضي دون لقائه.. ويحيلَ إلى الخريف لعل من أثر ينجلي اخضرارا على الأوراق اليابسة والرياح العابثة حسرة مأساة كربلاء، فيصرخ في صدره:

- رباه ما هذا الضجيج!، هل يا ترى هي الكعبة وطواف الحجيج.. 

- دماءٌ!! هل يا ترى هو ذُبِحَ إسماعيل في السماء.

صرخاتٌ وجيوشٌ من الآهات تجتاح خيالات ذاك الفتى الذي لم يبلغ الحلم بعد، لكنّه يخطو بجدِ نحو عتباتِ معشوقه بصوته الشجي وبشاشة محياه سعيا لإدراك حلمه..

سابحا في ملكوت قصائده.. متسَرْبَلا بمجدِ ما ورائها.. دون ان ينقطع من تأمل صرخةٍ مزعزعة لأركان الطغاة.. كان ينصهر كما ينصهر الحديد حينما تجتاحه اسرابُ ظلام يداهم وردةً في احضان (ابيها) ينحرها (الحقد) كل يوم.. وجهشته على بكاء فراشةٍ يُستَل منها قرطها وتتلقى صفعات من يدِّ غادرٍ تسلط عليها كلما نادت يا أبتاه..

لم يقنط في نياحته عند حد، وكان يصرخ لينشد بكل ما يملك من طبقات صوته، لكنّه سرعان ما يغشى عليه، وقبل ان يهوى على الارض تلاقفته اكف المعزين.

- ماء.. ماء، يصرخ أحدهم، واخر يجعل من وسادةٍ انتشلها بالقرب منه مصدرا للهواء، وبينهم رجل كبير تنبه الى تعرق الناعي بشكل غريب وكأنه خرج للتو من حمام ساخن او حوض سباحة!..

لم يزل مغشى عليه لكنّه يتمتم نائحا بكلمات لم يفقها احدٌ من حوله.. ومع ضربات اكفٍ خفيفة على وجنتيه استفاق متفاجئا من الجمع الذي يحيط به!!.

- من هذا؟ ولماذا تتجمعون؟ صوت أحدهم من خارج السرداق مخاطبا اياهم. 

- فتىً ناعي، أُغشي عليه وسقط من المنبر!!.

- أحذروا، فقد تؤذونه دون ان تشعروا!..

هو: كيف؟..

من بينهم من يُخبرهم: ليس فيه شيء سوى انه مرهق وقد يعاني من هبوط حاد لضغط الدم.

في دهشة من جمعهم وتصرفهم مع الفتى الناعي!، صرخ بهم شخص آخر من الخارج، بعد انتباهه الى تعرق الفتى:

  • قد يكون مصابا بالفيروس! ألا تعلمون أن التعرق أحد الأعراض الغريبة لمتغير أوميكرون لفيروس كورونا؟.

لم يكن هذا استفهاما منه بقدر أنه طلب استيعابهم الأمر.. فانتفضوا من حوله سريعا، إلا واحدا لم يستطع ابعاد الناعي عن حجره، فقد أحس ببرودة ملابس الناعي اثر تعرقه المفرط.. 

(يا مهدي).. كانت أول كلمة نطقها بعد استفاقته.. يحتاج لثوانٍٍ ليفهم هذا الانتقال المفاجئ من وقوفه على المنبر إلى احضان رجل كبير يتضح على محياه الخوف من خطرٍ أحاط به، وكأنه قابض على الجمر؟!.

- لكن لماذا أنا هكذا؟ لماذا هؤلاء يضعون اردانهم على أفواههِم!، ثم ما بال الواقف عند باب السرداق وجلا من فعال الجميع؟ وينظر لهم باغرابة!؟.

لم يعِ الموقف بعد، واجتاحته استفهامات عن وضعهِ هذا، لكنّه عزم على الوقوف دون طلب المساعدة، وانشغل بترتيب ثوبه وأعاد فرد ياقته وهمَّ بالنهوض.. 

منعوه وبطريقة ما فهِمَ أنه لا يمكن ان يغادر المكان، فهم يخشون على الناس من شيء لم يستطيع بعد ان يفهمه، خاطبه بعضهم برفق طلبا منه ان يبقى بمكانه وان لا يتحدث وسيبقى معه الرجل الذي كان ملقى في احضانه فلا يصح مغادرتهما السرداق!!.

لا يمكن!!، بدأ يصاب بحالة هستيرية، ولم يتكلم لكن عيناه يتحدثان، وتذكر مقولة احدهم: (من مميزات مجتمعنا، أنك تسمع عن نفسك قصة أنت لا تعرفها!)، منها استدرك قواه، وطلب من الرجل الذي بقربه ان يشرح له الموقف!!.

  • بُني يعتقدون انك مصاب بوباء كورونا الجديد.

زاد السواد في قلبه الصغير وكأن العالم يتشح بالظلامِ بسرعة الرياح التي وأدت ياسمين شرفته وداهمت حلم ليلته الماضية؛ فعلم أنها الاشارة، وهلع صارخا: (لست مصابا!! لست مصابا).

لحظاته تلك كانت مدعاة لفقدان وعيه مرة اخرى، (مشاهد زحف الملايين تُيممُ وجوهها شطر قبر سيده؛ وهو يبصرُ أمواجاً بشرية غفيرة)، استعاد وعيه في عشية يومه ذاك، أما الرجل فكان نائما ملتحفا بغمه، تاركا من دمعاته نميرا خطَت تعرجاته على وجنتيه خشية اصابته هو الآخر بالوباء.. أما الناعي استطاع النهوض وراح يتحسس سمعه، في حالةٍ مِن اللاوعي يصغي لأذان المسير نحو كربلاء.. وسمائه باتت ملبدة بسحب من الأحزان وأمطرت دموعَ الحزن ليس على ما أصابه؛ بل من خشية توقفه من النعي.. فتلصص النظر إليهم ولاذ بالفرار من السرداق، حينما كان الاخرون منشغلين بالوضوء.

لازالت تتقد شرارةً الأفواجٍ القاصدة لمولاهم فَهمَّ يشاركهم لهيب الشوق.. نادبا حظه خشية ان يكون مصابا حقا:

- أياد الوباء اصباتني في ايّ زمانٍ، وقدحت بيّ في غير الأوان!.

لكنّ لوحة العشق والولاء الممتدة من أرض الغري معرجةً الى ارض الطف ترسمُ حشودا يتنافس العاشقون فيها لنيل شرف المسير وقد بثت فيه الروح وأورقت الأمل ليواصل مسيره، فاخذ قفازات وكمامات وابتاع له راية كان يعكز على عصاها تارة وتارة يرفعها.. وبينما هو يسير التفت الى امرأة مسنة بشوشة تخاطب بعضهن وترتب لها حجابها رغم تذمر بعضهن: 

  • ترتدين الكمامة خوفا من الاصابة بكورونا وتتجاهلن الحجاب وفيه مخافة الله.

اصراره على مواصلة المسير، كان صورة منقطعة النظير، إطارها جاذبية فاقت جاذبية الأرض لمرات كثيرة.. وفي عمق هذا الطريق تاهت روحه في حسراتها، وتهاطلت الأسئلة في رأسه: 

  • من يحمي هذه الجموع من خطر البلاء؟.. كيف ستستوعب ارض الطف هذه الجموع وسط هذه الجائحة؟ كيف سيسلم هؤلاء من الوباء؟.

لوهلة رفعَ رأسه إلى السماء وقبل بلوغه رأى صور الشهداء المعلقة في جانب الطريق، فتيقنَ أن أرواح هؤلاء، هي التي تسير معهم وتحميهم وتغبطهم، وبفضل دمائهم عُبِّد الطريق وبقت القباب والمنائر كالطود الشامخ..

استقر قلبه حينًا مستشعرا أرواحهم التي تنشر الضياء وتمسح على رؤوس السائرين، وألتفت نحو ارض الغري يلقي التحية على والده الشهيد، ووسط موجة حزن جديد اجتاحته تناهد من اختلاجاتٍ تضايقه كلما ذكر حادثة استشهاد والده، فهو على مقربة من مكان الحادثة التي جرت قبل عشر سنوات وكأن صوت انفجار المتعفن بحزام ناسف يرن في أذنه وكأن العشرات أمامه صرعى فراح خياله يقوده للبحث عن أبيه بين من سقطوا!!، هنا يخطف سمعه:

  • (اشرب الماء واذكر عطش الحسين).

فيقتني قدحا بلاستيكيا فيه الماء ويرمق صور الشهداء بحثا عن شيءٍ ينهي اختلاجاته؛ لكن دون جدوى فهذه صورهم لكنّهم في عوالم اخر.

ومن سرداق لأخر ألتفت أنه لم يعدْ يتعرق رغم مسيره الطويل وقطعه عشرات الكيلومترات وتسارع نبضاته فقرر المكوث ليلته تلك لساعات قليلة وغاص في النوم.

  • ايها الناعي.. لعدة مرات الصوت يتناهى له.. 

انه ذاك السيد الجليلِ المثقل بالمتاعب الذي زاره في طيف ليلته الماضية، وبهيبة قائد كبير يخطو نحوه وبيده راية؛ طالبا منه ان ينعى ويسمعه ما يتحسسه من وجع، واشار صوب منبر من نور وعتباته بلورية تمتد إليها سجادة حمراء مزركشة الجوانب، ويعلو المنبر قبة ذهبية ساطعة الضياء.. ثم يشير الى الكمامة ويومئ الى تركها فيعزم على المسير نحو المنبر ويعلو عتباته عتبة تلو الاخرى، ويصدح منه نغما سماويا يتقد منه وجده بمعانٍ يأن لها الحديد الصلد وتخشع لها الجبال.

استيقظ من نومه هلوعا وبحالة نفسية جيدة لا يشكو من شيء، متلمسا جسده ومتحمسا لتحسن صحته، وفي اللاوعي ينشد ابياتا تجترها ذاكرته عن الطيف الذي مرّه ليكررها مع رفع صوته طبقةً طبقة، ويمضي ناعيا لمصائب إمامه الحسين ملامسا بنياحته شغاف القلوب.

  • ما شاء الله، ما شاء الله!! (عبارات يكررها المتجمهرين حوله في السرداق).

بعد انتهائه يسأله أحدهم عن عمره؟ فيجبه أنه من مواليد زيارة الاربعين!.