النص الفائز بالمركز الثالث في مسابقة أسبوع الإمامة
بُني لِنَنتظر بالعمل
لِننتَظر بالصلاةِ والصدقة
لِننتَظر بالصدق والإخلاص والدُّعاء والحُب
بُني ، فلنَكُن من المُنتَظرين المؤمنين
يومٌ مفارق للزمن ، لحظة من لحظات الزمن الهاربة الخالدة كما قالَ ابي ، شوارع المُدن العراقية تدخل بالمتاهات والتيه والوحشة والقسوة بسبب الأخبار والشائعات المستمرّة التي لا تتوقف كالرصاص ، طيورٌ تطير على شكل جماعات بقلق ، قوافل المُهاجرين المغادرين الى المجهول مُستمرة منذُ عدة ايام ، شعور التيه والموت يقبض على الأنفاس كالهواء الثقيل المُشبع بالكآبة والحُزن ، ولكنَّكَ كُنتَ مُبتهجاً على غير العادة عندما اتصلَّ عليك السيّد علاء وقالَ لك شيئا .
أذكرُ أنَّكَ قُلتَ لي :
- بُني ، نحنُ على وشك الإمساك بلحظةٍ من لحظات الزمن الهاربة وهذا الشيء يحدث لك عندما تكونُ عبداً مُباركاً لله .
- نعم يا أبي ولكن ... لم أكمل كلامي حيث دلفَ مُسرعاً عِبرَ الحديقة الى فناء الدار أردتُ سؤاله ( كيفَ أكونُ عبداً مُباركاً مُنتَظِراً؟ ) ولكن لم استطع .
لقد كُنتُ أنا القارئ الشغوف أقرأ انواع الكتب وقرأتُ آنذاك ملاحم كلكامش والإلياذة والمهابهارتا ولكنني رأيتُ هناك ملحمةً دون قراءتها في كتاب ، استذكرتُ لحظات الزمن الهاربة التي حدثتني عنها ؟ لم أعِ ما يحدث أمامي ذلكَ اليوم من صور كُليةٍ للمشهد الماثل عِندما ذَهبتُ لتوديعك ( فتى يرجو من أحد المسؤولين ألاّ يُرجِعوه خائباً ، أرى الشيوخ الكبار وهُم يُلوّحون لبعضِهم البعض بفرح بعد أن ضمنوا مقاعدَ لهُم ) قبلَ أن يذهب أمسكني من يدي وسحَبَني لمكانٍ قَصّي عن الحافلة التي بدأ يدلف اليها الرجال :
- بُني سأُقولُ لكَ كيفَ تكونُ عبداً مُباركاً مُنتَظِراً ؟ ستَجدُ دفتراً أصفر في الدولاب الخشبي بعنوان (تراتيل الانتظار) إن قرأته التزم بهِ وطبّق ما فيه ، عندها ستعرف كيف تكون مثلنا وتلتحق بالمُنتَظِرين ؟ أجابَني أبي دونَ أن اسأله ، ستكون عندها عَبداً مُباركاً لله ، ضَمَّني ضمّةً على صدرهِ كادتْ تُكسر عظامي ، لمحتُ دمعاً يملئ عينيهِ ، تخلّصَ منه قبل أن أراه ، قبّلَني على رأسي وقبّلتهُ ثُّمَ قالَ :
- عُد الى البيت بسرعة ، لقد تأخَّرنا ، لنذهب كِلانا الى وجهتهِ حيثُ انطلقَت حافلة أبي الى جهة الشمال بينما عُدتُ الى جهة الجنوب لا اقوى على شيء .
لقد بدأتُ تلكَ الليلة بقراءة دفتر ( تراتيل الانتظار) لإخوتي الذين فتحوا أفواههم وعيونهم وهُم يستمعون لي ، قرأتُ مقاطع من وصية امامنا علي لإمامنا الحسن (عليهم السلام ) :-
( أوصيكما بتقوى الله وألّا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيءٍ منها زُوِي عنكما، وقولا بالحقّ واعملا للأجر، وكونا للظّالم خصماً وللمظلوم عوناً
الله الله في الأيتام ، فلا تغبّوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم .
والله الله في جيرانكم ، فإنّهم وصيّة نبيّكم؛ ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم .
والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم .
والله الله في الصّلاة فإنّها عمود دينكم .
والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله ، وعليكم بالتّواصل والتّباذل، وإيّاكم والتّدابر والتّقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر .
نمتُ تلكَ الليلة وأنا افكر بأفكار كثيرة طرأت على عقلي لأولِ مرّة حتى أنني رأيتُ نفسي في عالمٍ آخر أقفُ بينَ كائنات غريبة عرفتهم فيما بعد بأنَّهم شياطين يحتشدون لأمرٍ هام بكل طوائفهم وعشائرهم رأيتُ ملابسهم بألوان متعددة قد تكون عشرة ألوان رأيتُ وجوهاً اعرفها في الحياة ولكن لم أتذكر اين في التلفاز أو الهاتف ؟ ثم مَنْ هذا الذي يخطبُ فيهم تلكَ الخطبة التي أصابتني بالغثيان ، حفظتُ منها القليل وضاعَ منها كثير ، صرخَ فيهم ذلك الشخص الذي علمتُ فيما بعد أنَّه ابليس قائلاً : ( اجعلوا حياتهم فوضى ، أشغلوهُم ، شتّتوهم ، اكثروا اليأس والاحباط في قلوبهم ، اجعلوا السواد يتمدد ، اكثروا وسائل اللهو ، اغروهُم بالمال ، أبعدوهم عن القرآن ابعدوهم عن الصلاة ، اجعلوهم أعداء بعضهم البعض ، اجعلوهم يُشككون في عقائدهم ودينهم ) .
توقفَ الخطاب فجأة ، حيث نظرَ ذلكَ الشخص للجمع المُحتشد الذي ارتعدتْ فرائصه من عينيه التي تقدح شرراً فقالَ غاضباً :
- لا أريدُ الفشل ، أُريدُ الانتصار على الجنس البشري بأي ثمن ، لقد نجحتُ كثيراً في بقاع كثيرة ، لقد اقتربنا من تدميرهم ، سننتصر عليهم ، لن يُشاهدوا بعدها الا السواد .
ما الذي افعله بينَ هؤلاء ؟ قلتُ لنفسي ، هل انا عالق في الحلم ؟ ماذا افعل إن رآني احدهم وانا اختلف عنهم ؟ اغضبني كلامه ، وفي ذروة غضبه وهو يُنادي عليهم صرختُ في الجمع من بعيد وأنا أردد ما قرأته في تراتيل الانتظار :-
- اصمتْ ايُّها اللعين الرجيم
سننتصر ما دامَ هناكَ قائماً بالحق وما دامَ هناك مؤمنون صادقون .
سننتصر ما دامَ هناك احرار يؤمنون بقضيتهم يُقاتلون في سبيل الله لأجل الحق الحرّية ولا تأخذهم في الله لومة لائمٍ .
سننتصر ما دامَ هناك شباب ملتزمٌ بدينهِ وصلاته وصيامه وأخلاقه .
سننتصر ما دامَ هناك نساء مؤمنات عفيفات التحفنَ الجلابيب والعباءات في زمن العري والفسوق .
عمَّ الجمعُ صمتٌ رهيب ، نظرَ باتجاهي ، شعرتُ انه سمعَ ما تكلّمتُ به ، نادى وهو غاضب :-
- انهُ أحدهم يقفُ هناك ، امسكوا بهِ ، انهُ خَطرٌ علينا .
حاولتُ الهرب ولكن بقيتُ واقفاً رافعاً رأسي بشجاعة بعد أن فهمتُ لماذا انا هُنا ؟ لم يصلوا إلي مهما امتدتْ ايديهم ، فلا زلتُ واقفاً هكذا لم اشعر بنفسي إلا وأنا أقفُ في غُرفتي ، بيدي ( تراتيل الانتظار ) وأمامي صورة أبي وهو ينظر إليّ مبتسماً سمعتهُ يقول :
- احسنتَ يا بُني سننتصر معاً ، لا تنخدع بهم ، الحياة ليستْ عبثاً كما يصورونها هي صراع بين الأسود والأبيض ، فالحياة منذُ بدأتْ سعى العقلاء الى عيشها بصدق واخلاص ، آلاف السنين وهُم يُمسكون بالخيط الايماني الرفيع الذي سيُخلّد المعنى من كل هذا لكي يمسكه المنتظرون مع قائدهم ، ليجعلها تضجُّ بالجمال لا تتجرّد من دينك لا تجعلهم يُغرقونك في بحر تفاهاتهم لا تجعلهم يُفسدون ألوان اخيك الزاهية بألوانهم السوداء .
انتبهتُ على صوت أخي الصغير وهو يدخل غُرفتي قائلاً :
- أخي حان الوقت لتقرأ علينا من تراتيل الانتظار قبلَ أن يأتي أبي .
قرأتُ في الصفحة الأخيرة :
(كل ضيعةٍ من هذهِ الأرض تتشوق لعدلك يا رب ، من الاطلسي والاندلس حتى بغداد والكوفة ودمشق وخراسان ، من فاس وتونس حتى البحار المتجمّدة ، نحنُ عبادكَ الصالحون ننتظرُ عدلك وحفيفُ اسرارك القُدسية وفرج إمامنا المُنتَظر
يا بُني : توضأ بالماء والحُب ، فالله عزّوجل لا ينظرُ لقلبٍ ملوّث بالكراهية والحقد ليسعَ قلبك الجميع عندها سيفتح الله لك قلبك وسترى ذلكَ الطريق القدسي العظيم )