النص الفائز بالمركز الثاني في مسابقة أسبوع الإمامة
في باحة تلك القاعة الصغيرة، بأعمدتها اللازوردية وسقفها الرمادي، وأرضيتها التي حفرت تجاعيدها الرطوبة والزمن، كانت المقاعد ممتلئة بالحاضرين، مع ارتفاع همهمة همس شفيف بين الحين والآخر، إلا أن الهدوء ما زال يعم المكان.
جدران القاعة ذات اللون الأبيض تزينها لوحات جميلة، تعكس سحر الطبيعة، فشلال المياه المندلق من اللوحة ينعكس عليه ضوء الشمس الساقط عبر النافذة، ونسيم عليل يداعب الأجواء من خلال فتحة الزجاج المكسور.
جلس صديقي هاشم بجانبي، يتلوى من ألم في معدته، فيما كنت أعاني من أعراض إنفلونزا ورشح، سأل أحد الحضور عن الطبيب فأجابه السكرتير، إن الطبيب لديه خفارة وسوف يتأخر في المستشفى، بدت علامات القلق على صديقي؛ لأن تسلسله الخامس عشر في القائمة والطبيب لم يحضر بعد، أخبرته أن تسلسلي الرابع سوف أدخلك مكاني لا تخف، ارتفعت حدة الصوت وبدأ الشجار بين السكرتير والمرضى، فكل دقيقة من الانتظار تولد مشاكل، ويتولد صراع ينتهي بخروج أحد المرضى متذمرا يلعن المرض الذي قاده إلى العيادة، قال لي هاشم :
- ما أصعب الانتظار!. أجبته:
- نعم، لكن النتائج التي تأتي بعده تنسيك صعوبته .
- اعتقد أنه وقت يمر دون أن نفعل شيئا، إنه وقت ضائع بلا مبرر.
- الوقت بأيدينا.. نستطيع أن نصهره ونشكله كما نرغب، وكما ترى فإن الانتظار يكون صعبا؛ حينما يكون بدون عمل منتج.
- كيف ذلك؟.
-الطبيب الذي ننتظره سيقدم لنا الحل بعد طول انتظار، و نستطيع أيضا أن نستثمر الوقت قبل قدومه، نقرأ، أو نصلي، أو نتشارك الأفكار، أو نتبادل خبرات الحياة وحتى عقد الصفقات.
-برأيي أن ننتظر من لديه الحل، ولا فائدة من عمل أي شيء آخر.
-الحركة أفضل من السكون، ومجابهة الحياة أفضل من القوقعة على الذات.
صمت الجميع.. ودوّى القاعة تصفيق حاد من الجالسين وجميع الحاضرين خلف الكواليس، ومنهم أستاذ فيصل مدرس التربية الإسلامية كاتب النشاط والمسؤول عنه ، قال لنا:
-مقطع تمثيلي مؤثر سوف نكمل باقي المشاهد تباعا، لحين يوم العرض صباح يوم الخامس عشر من شعبان بحضور أولياء أموركم في المدرسة إن شاء الله.
قلت له :
-شكرا جزيلا على الدعم، فكرتك جميلة؛ ستلقى نجاحا باهرا.
-أتمنى أن يتقبل الله منا، ويرضى عنا صاحب المناسبة، كنت جيدا يا محمد..أحسنت.
قبل أن نتفرق، وزع الأستاذ قصاصات صغيرة كي يكتب كل منا على القصاصة كلمات فيها حكمة أو نصيحة تخص تكليف المنتظرين لأحد أصدقائه، على ألّا نقرأها إلا عند عودتنا إلى البيت، بوصفها جزءاً من التمرين وإجادة الدور؛ للدخول في عالم الموعود.
كتبتُ لصديقي هاشم بضع كلمات وأعطيته القصاصة بعد أن عقدتها مرتين، دسها بسرعة في جيبه، وبالمقابل سلمني ورقته، أبقيتها بيدي، وكلي شوق لرؤية تلك الكلمات، كمن تلقى عليه أحجيّة ولا يعرفها والحل بين يديه.
وصلتُ البيت وبعد نفاد صبري؛ فتحت الورقة، قرأت فيها: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج ).. جميل أن يستحضر هاشم هذا الحديث، أتمنى أن يقرأ ما كتبته له بتمعن .
مع تقدمنا في العمر كانت فلسفة الانتظار لدى كل واحد منا مختلفة، كالأغصان المائلة باتجاهات مختلفة، جميلة.. ويروق للعين تشابكها؛ لأنها تخرج من برعم واحد، كذلك صداقتنا مهما اختلفنا ستبقى حية كماء بارد ينزل من شلال ينعش حياة كل من يعيش في أسفل النهر.
في العطلة وحين كنا نعمل متطوعين في كشافة الإمام الحسين (عليه السلام ) خرجنا برحلة كشفية للعيش في الريف لمدة أسبوع ؛ لاكتساب المهارات؛ والتعلم ضمن واقع الحياة، لنعيش حياة البرية، برفقة مدربين كشفيين، حين بنينا خيامنا وقبل أن ننفض أيدينا من غبار العمل، سمعنا شخصا يطلب المساعدة ويصرخ بعلو صوته، ركضنا إلى مصدر الصوت فوجدنا راعي أغنام قد سقطت أغنامه في النهر، والبعض منها قد أصيب والدم يجري من أجسادها، نزلنا إلى النهر وأخرجنا الأغنام، ساعدناه كي نعيد إليه هدوءه، تبين أن ذئبا قد هجم على القطيع، لكن ما إن واجهه كلب الراعي ولّى هاربا بعد أن أصاب بعضا منها، وسقط الباقي في النهر .
لفت انتباهي حين عودتنا إلى المعسكر أن هاشما لم يكن معنا بل إنه لم يقم من مكانه الذي تركناه فيه، صُدمتُ من تصرفه وكأن شيئا لا يعنيه.
بعد عام من تلك الحادثة شارك هاشم معنا في تنظيم حركة الزائرين ظهيرة العاشر من المحرم، وكانت مجموعتنا مسؤولة عن تنظيم ركضة طويريج في شارع الجمهورية، ويبدو من ملامحه أنه ليس لديه رغبة حقيقية في العمل، توهان وشرود دائم، حين شكلنا سلسلة بشرية نمسك بعضنا البعض كي نحول بين طريق الخروج والدخول، كاد أن يتسبب هاشم بمشكلة حقيقية حين سمح لبعض المعزين من الدخول عكس مسار الركضة، لو لا تدخل الشباب الآخرين بإعادة الوضع إلى ما هو عليه لحدثت كارثة لا سمح الله، لا أدري لماذا تكررت مثل هذه المواقف مع هاشم؟.
بعد ذلك الموقف وحين أكملتُ دراستي الإعدادية لم أرَ هاشما بعدها أو التقي به في أي مكان، انقطعت أخباره عني خصوصا بعد أن تغير مكان منزلهم.
...التَفتُ إلى صديقي حسن، وقلتُ له:
-هذه حكايتي مع صديق الطفولة وزميل الدراسة هاشم، واعتقاد وفلسفة الانتظار لديه.
من وجهه المطلي بتراب الصحراء الملتصق بقطرات العرق الناضحة من جبينه، نظر إلي حسن بابتسامة برزت منها أسنانه البيضاء، وكأنها حبات رز خرجت من كيس قماش بني، قال لي:
-حكاية جميلة.. خففت من وقت الانتظار بالواجب، بما فيها من الدروس والعبر، لقد زادتني شوقا وثباتا على المبدأ.
كان ذلك حين كنا في الواجب على الساتر الترابي نراقب عصابات داعش التي حاصرناها في مدينة تلعفر.
بينما كنا نتحدث أنا وصديقي حسن في تلك الأثناء، وقبل أن يحين أذان المغرب في ذلك النهار الرمضاني المثقل بالجوع والعطش، سمعنا أصواتا عالية، في القاطع المجاور لنا، والمرابطة فيه قطعات تابعة لفرقة العباس(عليه السلام) القتالية، بعدها سمعت صوت عيارات نارية مكثفة، وأصواتا تعالت: عجلة مفخخة انتبهوا يا شباب، قفزت من مكاني وانطلقت مع حسن، إلى مكان الصوت الذي يبعد عنا كيلو متر واحد، ركضنا بكل سرعتنا، وقبل وصولنا بلحظات، دوّى انفجار كبير، بعد أن انطلق صاروخ (آر بي جي) باتجاه السيارة المفخخة، تم إخلاء اثنين من الشباب إلى خلفيات الوحدة، ذهبت لأتقصى أمرهم، استشهد أحد الفرسان، والثاني ما زال جريحا ينزف دما من رقبته وخاصرته وجراح في شتى أنحاء جسده، كان يجود بنفسه ويتجاوز ألمه بابتسامة بوجه إخوته الذين يحيطون به، قال له أحد الحاضرين:
-الحمد لله على السلامة يا بطل، لو ما تضرب السيارة بلحظات قبل وصولها الساتر، كان كل هاي الناس استشهدت.
قال آخر:
-بطل يا هاشم.. والنعم منك أبو الغيرة.
ما إن سمعتُ هذا الاسم حتى كدت أسقط أرضا، وبدأتُ أسابق الآخرين بالنظر إليه، وكأنني أتسلقُ الرقاب بنظراتي تلك، أريد أن أشق صفوف الجنود الذين يسدون ثغرات مسافة الأمتار القليلة بيني وبين هذا البطل المغوار، وألف سؤال يطرق رأسي، يداي كانت تزيحهم الواحد تلو الآخر، ولساني يطلق عبارات الاعتذار، ما إن شاهدوا اللهفة في عيني والشوق في قسمات وجهي، فسحوا لي الطريق للوصول إليه.
كما توقعت أنه صديقي هاشم، كان مستلقيا على السرير وسط المشفى الميداني، نزلت على الأرض بركبتي وأنا أمسك بإحدى يديه، أصبح وجهي مقابلا لوجهه، أراد أن يتكلم بادرت.. فلثمت جبهته التي تنزف أيضا بقبلة تعكس لوعة الاشتياق، الجرح في رقبته عميق والمسعفون يحاولون وقف نزفه، أشعر أنه لن يصمد، ودون أن يقول شيئاً أشار بعينيه إلى قبضة يده اليمين التي يضغط عليها بقوة ورفعها قليلا، فتحها ببطء وروية، كان بها قصاصة ورقة صغيرة، مكتوب فيها بخط يدي: ( ما أجمل الانتظار حين يكون مقرونا بالطاعة والعمل).