مرسى اليقين
النص الفائز بالركز الأول في مسابقة أسبوع الإمامة

بَدَا وجهُ نهرِ بردى كئيباً تتلاطم فيه المياه صعوداً ونزولاً، هادرة في أذن الصباح، مثيرة في النفس مشاعر متضاربة، كنت أقف متكئاً على سياجه الحديدي أتأمله، فشعرت كأني أمام مرآة صقيلة تعكس ما يمور في داخلي من هيجان الظنون، وهمست لنفسي بلحظة مكاشفة:

- حتامَ تراوح بين شكك واليقين؟ متى يرسو قاربك على شاطئ الإيمان كي تستريح روحك عند مرافئ الثبات؟ متى؟!

باتت تكويني الظنون، ومرض ابني الصغير قد صبّ مزيداً من الزيت على النار لتحرق قلبي وتذرو رماده... لتتلقفه رياح الجزع، فما عاد جسده الغض الضعيف يقوى على التحمل، ولم أعد قادرا على رؤيته يذوي وينطفئ بعد أن كان متوهجا كشعلة من النشاط.

- فمن ذا الذي يبادلك ما تملك بدقيقة عافية؟ ومن يأخذ من عافيتك ويعطيه رشفة سلامة...مَنْ؟! 

أخرجت رقعتي التي أحكمت تغليفها ببندقة طين كما أرشدني شيخ عابر لست أعرفه، كأن القدر قذفه في طريقي ولم أنتبه جيداً لظهوره واختفائه بسرعة خاطفة، وأنا في قمة حيرتي وبحثي عن وسيلة وحلقة اتصال بمن حسبته منقذي الوحيد من محنتي التي ما عدت أطيق معها صبرا، أحنيت رقبتي من فوق السياج صوب تموجات المياه وناديت أول السفراء وأبو ثانيهم... بصوت خفيض كيلا يسمعني سواه، علني استرد من اسمه شيئا من السعادة بعد أن غابت في متاهات الزمن العنيد.

- يا عثمان بن سعيد سلام عليك، أشهد أن وفاتك في سبيل الله وأنك حي مرزوق، وقد خاطبتك لتكون وسيلتي وسفيري إلى سيدك وسيدي أملنا ومرتجانا وهذه رقعتي وحاجتي مكتوبة بها خذها أمانة عندك فأنت الثقة الأمين فسلمها إليه.

لحسن الحظ لم يرني أو يسمعني أحد، فمن المؤكد أنه سيرميني بالجنون، وربما أحسبني مجنونا حقا بعد قيامي برميها في الماء، وانصرافي بكل ذلك اليقين... فمن يصدق أن طينا يضم ورقة عادية ستصل إلى غائب مستور منذ آلاف السنين؟ بل كيف لها بالأساس أن تقاوم قوانين الطبيعة ولا تذوب ذوبان السكر في الماء؟!

فجأة هاجس غريب راح يهمس في خلدي، أجل ممكن فلا راد لأمر الله... فكما النار لم تحرق إبراهيم... كما السكين لم تذبح إسماعيل... كما الحوت لم يأكل يونس... وكما العصا التقمت حبالهم وما يأفكون، وكما اليم حفظ موسى وأغرق فرعون وجنوده... وكما جسد عيسى روح الله خيّل لهم صلبه بينما هو يرتقي إلى السماء.

بعدها امتدت الأسئلة بي واستطال عنقها إلى شكي في مسائل خطيرة!، تساؤلات تفوق مستوى إدراكي، بل وحتى خيالي دفنتها في رمال الكتمان وعدت أدراجي، تخط قدماي شوارع دمشق القديمة المبللة بمطر آذار، ورغم كونه غزيرا إلا إني لم أحفل بوجوده ولا بوجودي أيضا، فقد كنت منهمكا بفرط تفكيري، سائرا على غير هدى مثلما يسير تائه في صحراء موحشة، مشغولا بحرائقي الداخلية التي لم يفلح المطر بإطفائها إن لم يكن قد أججها أكثر وأنا أنظرني أركض خلف صغيري على بساط الحشائش في الحدائق العامة وهو يهرب مني مكركراً ويسقط على الأرض في لعبة اقتناص القبل، عجبا لهكذا مفارقة زمهرير لاسع وحريق واسع!!

- أتعجز كل أموالك عن علاجه وقد حسبتها سلطاناً؟ ليتك تستبدل صحتك بصحته أو تعطيه عمرا من عمرك، فماذا أنت فاعل يا غافل بعمر يخلو من أنفاس وحيدك ووجوده؟

تتعاقب الأيام وهو ساكن أسير سريره كخرقة مهلهلة، أخمص البطن أصفر المحيا، أكاد أسمع اصطفاق أجنحة المنية فوق رأسه، ينهش المرض محاسنه ويفسدها، لكنه لا يتمكن من كسر شموخه الذي ورثه من أمه المرحومة، ولا يستطيع تشويه جمال براءته، ما زال طفلا نقيا بعيدا عن تلوث الفتن قريبا من طهر الفطرة السليمة، قال مغالبا ألمه بشفتين متيبستين يحركهما الأمل، وبصوت يبثه الالتماس ويسترجعه الخوف:

- هل سأشفى يا أبي لنعود إلى بيتنا ونلعب؟ 

فأجبته مبتلعاً غصتي، متحايلاً على دموعي الحائرة في مقلتي بابتسامة شاحبة:

- لاشك في ذلك يا ولدي... لاشك! 

لم أشأ أن تغرف عيناي صورته وتلصقها على جدران ذاكرتي وهو بهذه الحالة المزرية، كم تمنيت أن لا تكون بهذا اللون الباهت المشابه للون شبح يحلق فوق المقبرة، لم يكن منظره سارا فهو يشبه أي أحد إلا ابني الجميل صالح، كل ما أراه يخبرني إني سأفقده قريبا، وكأن فم الموت يخاطبني بتهكم.... أقرب حتى مما تتصور!

ثم مرت الليالي آخذة بأعناق الأيام، وفي منتصف ليلة قارسة البرودة وأنا أتمدد جنب سريره في المشفى وقد استسلم الناس لسلطان الكرى هاربين من بطش البرد، كنت مازلت ساهراً قد جافاني التجلّد وتحكّم بي الأسى والتعب والإرهاق، ليس لي مسلٍ غير دموعي، تتلاعب بي عواصف الشكوك بمصير رسالتي، ويحوم حولي القنوط كما تحوم النسور حول جثة، حاولت مرارا أخذ دقائق نوم والتملص من وحوش اليأس المرابضة على صدري، فإذا بي أسمع صوتا غريبا أزعج سكينة الليل واستلني من بئر الأفكار، يا إلهي إنه قادم من صالح، انتفضت وهرعت بأقصى قوتي إليه، شاهدته فاتحا عينيه وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه كانعتاق الزهر عند الربيع، اقتربت منه وحاولت أن أرى ما يراه، لكنه بدا يحدق إلى ما لا يُرى! إلى ما وراء الأشياء ربما، التفتُ يمينا ويسارا، درت حول نفسي عدة مرات، لا شيء... شعور بالخسارة يتمدد في حشاشتي، وإحساس بالفقد تتصدع له الصخور يراودني، هل كُشف له الغطاء وأصبح بصره حديدا كتمهيد لانتقاله الأبدي؟ أم تراه استعار من سنخ الملائكة ما تتكشف له حقائق الأمور وأسرارها؟! 

ألهبت اللحظات الحرجة مهجتي، وسألته وأنا متعلق بساعده كمن يحاول منعه من الرحيل:

- صالح...صالح... ما الذي تراه؟ أجبني بالله عليك يا صغيري؟

!!................ -

-  صالح... ارحمني وتكلم أرجوك، لقد طاش عقلي وانعدمت حيلتي.

!!............... -

لم أتمالك قلبي وارتمى رأسي على صدره وأنا أشهق من البكاء، وأناجي الله أن يبقيه فهو آخر وأعز ما أملك في هذه الحياة... أجابني بعد دقائق من الصمت بصوت حسبته خارجا من مكان سحيق:

- لا تقلق يا أبي... أنا بخير 

رد جوابه بعض رمقي، رفعت رأسي وحركت كتفيه:

- ما الذي تراه يا بني؟ هيا أخبرني؟!

- رأيت رجلا يرتدي أبيض في أبيض ووجهه يشع نورا، دخل الغرفة واتجه نحوي، ناداني باسمي ومسح على رأسي... كيف لم تره أو تسمعه يا أبي؟ كان هنا قبل برهة وهمس لي قبل خروجه من الباب... قل لأبيك إن سفيرنا أوصل الأمانة؟!

!!................. -

ارتعدت فرائصي وانعقد لساني، ورحت أفرك عيني الدامعتين لأزيل غبش الصورة... لا أحد... لست قادرا على رؤية أي كائن بشري أو غير بشري دخل أو خرج، أعتقد أن حاجزا هائلا يحول بيني وبين الرؤية وليست الدموع هي السبب... لكن صالحا مازال نقياً فرأى النور.

أمسكت يديه وقبلتهما فشعرت بدفء عجيب يسري في عروقهما، اليدان الصغيرتان المرتعشتان ينزاح عنهما شحوب مرض الموت، ويبدأ دم جديد بالجريان في العروق، فيتلألأ وجهه وينتعش، ابتسامة عافية انفرجت من ثغر ولدي الصغير وكأن قوة علوية مسّت جسده فلم تبقِ للعلة أي أثر، لمع إذ ذاك من خلف ستائر الشباك برق يخطف الأبصار.