image alt

التداعي العقلي بين الأزمة والمعالجة... إضاءة في السيرة الكاظمية

التداعي العقلي بين الأزمة والمعالجة... إضاءة في السيرة الكاظمية
المقالة الفائزة بالمركز الثالث في مسابقة أسبوع الإمامة

إنَّ اعتقاد العقلاء بالأشياء يُتحصَّل في العادة بعد ترشُّح المعرفة وبلورتها، فتنفعل النفس إزاء ما صحَّ عندها من علم إلى الإيقان، ثمَّ إنَّ كثيرًا من المعارف التي تؤسِّس العقيدة إن لم نقل جميعها تتكئ في أصولها على ضروريات زوِّدت بها النفس اضطرارًا من أول الخلقة، أو اكتسبتها بالمباشرة من الخارج بلا سعي منها، والتحصيل إنَّما يكون في التوظيف العقلي لتلكم البديهيات التي يجعل العقل منها أساسًا في الصعود نحو المعارف الأعلى والتفصيلات الأدق، وإنَّ هذا المنحى في البناء المعرفي من أولويات ما أكَّد عليه الدين؛ إذ رفض مقدَّمًا تلقين العقائد وتقليد الأسلاف مرشدًا إلى ضرورة المعرفة المُتحصِّلة من المقدمات الصائبة بتوسط الوظيفة العقلية؛ ولمَّا كانت هنالك شؤون في المعرفة ليس بمقدور العقل من تحصيلها، لزم اقتضاءً للطف ذي الحكمة أن يسخِّر ما به تهذيب وظيفة العقل أولًا، ثم الهَدي إلى ما لا يُتَوَصل إليه بالعقل ثانيًا، فصار وجود الهداة كالمقوِّم في التحصيل تجاه التكامل، والبيان لإمام الكاظم (عليه السلام): « إنَّ لله على الناس حجتين: حجَّة ظاهرة وحجَّة باطنة، فأمَّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأمَّا الباطنة فالعقول»([1])، فيُسبق فهمًا من كلامه أنَّ الحجتين تسيران بتراتبية متصلة إلى هدف واحد بلا تعارض، وبكليهما معًا يتمُّ الاحتجاج الإلهي، ومن المعلوم أنَّ العمدة في التعطيل أنَّما تكون للعقل أولًا وبالذات؛ فتعطيل الإمام كاشف بالضرورة عن تعطيل العقل الداعي له، ومعطِّل المعرفة سيُدان من جمهور العقلاء أولًا، مُفادًا  كذلك في ذات الحديث بمثالٍ حسِّي في اللاجدوى بالاغترار برأي المجموع  غير الصائب فقال: «يا هشام لو كان في يدك جوزة، وقال الناس: لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنَّها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة، وقيل: أنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنَّها لؤلؤة»([2])، فالمناط في الأحكام دون التوقيفية منها، ودون ما لا تُتعقل هو ما استبان للفرد من حقيقة متمخضة عن سلوك حسيٍّ عقلي أولًا  بلا دخالة المجموع في ذلك.

من فاصلة هذا الكلام نقترب ممَّا يُعرف اليوم بالعقل الجمعي، تلك الظاهرة التي من شأنها أن يتبنى الفرد -متجاوزًا وظيفة العقل- آراءً أو توجهات تأثرًا بالمجموع، فينضوي تحت ذلك المُتبنَى عينة أفراد عطَّلوا معرفتهم في حيز ما وانضموا إلى الآخر في توجهه في ذات الحيز تقليدًا، والنتاج: لا يخلو أنَّ يكون التوجه إمَّا خاطئًا أو صائبًا؛ لذا فإنَّ من أشد آفات المجتمع فتكًا بالمعرفة وتضليلًا لها ظاهرة انصياع الفرد لرؤية المجموع مماشاةً بلا إعمال درايته.                                                                              

إنَّ المتتبع لسيرة الإمام الكاظم (عليه السلام) سيلحظ تضمينًا إلهيًا مقصودًا في معالجات أحكام المجموع غير الصائبة في جزئيات منها، وأولها ما زامن تفعيله انفتاق فجر إمامته حين عورضت بمفهوم مجموعي ساد بتفاوت الوسط الشيعي؛ ومضمونه أنَّ الإمامة حق الأكبر في أولاد الإمام الأب، وبصرف النظر عن منشأ هذا المتبنى إلّا إنَّه كان غالبًا لدرجة أوجبت تحيرًا عند سواد الشيعة، وكان من مخرجاته انبثاق فرقتي الإسماعيلية والفطحية -نسبة لأخوي الإمام الكاظم الأكبرين- وتشظيهما عن جسد التشيع، وهنا لابّدَّ من إنقاذ سائر الجسد وعطفه نحو الصواب، فكانت متلازمة الحجتين الظاهرة والباطنة؛ إذ انبرى الإمام بإرشاد مبرَّزي الشيعة من ذوي الثقة والثقل، ممَّن أعمل العقل أسلوبًا وانتهج التحري طريقةً، فأخذ يحتويهم ويوجههم إلى الحقِّ؛ كما تحصَّل مع هشام بن سالم، ومؤمن الطاق([3])، وعلي النيسابوري([4]) وأضرابهم، فنقلوا بدورهم حجة الإمام إلى مَن وثَّقهم من الشيعة المتعذِّر عليهم الاتصال بالإمام، فاستنقذ عمليًا بهذا الإجراء البارزين من أهل التحرز والتعقل، ومن ورائهم جماهير الشيعة من التردي في الضلال والمهلكة، ولا ننسى أنَّه ثقَّف لإعمال العقل وتعقب الحقيقة على المستوى النظري كذلك بإفادته: «يا هشام إنَّ الله تبارك وتعالى بَشَّر أهل العقل والفهم فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾...  إنَّ الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول...  إنَّ العقل مع العلم، فقال: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ... ثم ذمَّ الذين لا يعقلون فقال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ ... ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلًا، وأكملهم عقلًا أرفعهم درجة »([5]).

ثمَّ توالت مع إمامة الإمام الكاظم المتغيرات غير المألوفة لشيعته، فكأنَّ الشأن الإلهي قد أضاء على شؤون غير نمطية في إمامته ما عُهِدت من ذي قبل في إمامة أسلافه لمقتضيات المصلحة، فجاءت هذه المتغيرات متخالفة والرؤية السائدة للشيعة في أئمتهم، وأهمها استقدام الإمام من موطنه إلى مركز الحكومة آنذاك، بُغية رصد تحركه فتمَّ إبعاده عن الدائرة الخاصة من اتباعه، ثمَّ  تغييب شخصه عن سائر جماهيره بإيداعه السجن لسنوات عديدة انتهت باغتياله في سجن هارون العباسي على يد السندي بن شاهك([6]).

إنَّ هذه الحال غير المألوفة للشيعة من عدم وجود الإمام بين ظهرانيهم استدعى أن تنضوي جماعة منهم اتفق عقلها الجمعي على أنَّ الإمام لم يسجن بل لم يمت؛ وإنَّما هو غائب سيظهر في وقت ما، وبهذه المقولة أبطلوا الإمامة بعده، والكلام للشيخ المفيد متناولًا الفرقة الواقفة إذ قال: " أنكروا موت أبي الحسن (عليه السلام) وحبسه، وزعموا أنَّ ذلك كان تخييلًا للناس، وادَّعوا أنَّه حي غائب، وأنَّه هو المهدي " ([7]).

بالنتيجة ثقَّفت مجموعة من الأفراد ذوي التوجه المنحرف مستلين مجاميع من الناس عن الجادة بمعونة من تعطيل العقل الذي أودى بملازمه فعطَّل الإمام، وقد أُثر عن بن حمزة البطائني-من أكابر الواقفة- قوله: " قال لي أبو إبراهيم (عليه السلام): إنَّما أنت وأصحابك أشباه الحمير"([8])، وهذا مدلول مطابقي في قوله تعالى: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، فاستبق الإمام بهذا النحو من الأحاديث تلك الظاهرة مشخصًا ومعالجًا.

والمحصِّلة أنَّ الإمام  الكاظم  سعى بتنظيره وتطبيقه للحدِّ -على قدر ظرفه المتاح- من ظاهرة تهاوي العقول وانغمارها في المجموع، فأصبحت له هوية في الريادة بحسب تداعيات عصره.

ولأنَّ مجتمعات اليوم تعيش الانفتاح، تنقلت الثقافات بينها، وانبثقت الأفكار الداعية إلى التحرر المطلق، فاستفحل هذا الداء كالجائحة الفاتكة بعنوانات الهوية، وليس للفرد-ممخضًا عمَّا تقدَّم- من مصل وقاية كإعمال العقل وظيفة، لتبقى العبرة دائمًا باتباع الحق وإن قلَّ والنأي عن الباطل وإن كثر.


 

[1])) الكافي، الكليني: 1/ 16.

[2])) بحار الأنوار، المجلسي: 1/ 136. 

[3])) اختيار معرفة الرجال، الطوسي: 2/ 565-567. 

[4])) بحار الأنوار، المجلسي: 48/ 73-75.

[5])) يُنظر: الكافي: 1/ 13- 16.

[6])) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب: 3/ 437.

[7])) الفصول المختارة، المفيد: 313.

[8])) الغيبة، الطوسي: 67.