image alt

الإمام الصّادق (عليه السّلام) والنّجم والعلامات (بين القراءة الأيديولوجيّة والفهم المُؤسس)

الإمام الصّادق (عليه السّلام)  والنّجم والعلامات (بين القراءة الأيديولوجيّة والفهم المُؤسس)
المقال الفائز بالمركز الثالث في مسابقة أسبوع الإمامة

يعتمد خطاب الإمام الصّادق (عليه السّلام) على مجموعة فاعليات إبداعية بقياس وسائل التّشكل الإبداعي التي انتهى إليها البحث النقدي والبلاغي، الذي يبحث فيما يبحث ضمن نطاق لا يتجاوز البحث عن معنيين: جزئي وكلّي /أو/ أوّلي وثانوي، /أو/ظاهر وباطن، ويمكن على وفق ما توصل إليه العقل النّقدي والبلاغي من كشف تحوّلات المعنى فيه طبقًا لهذا الفهم، ولكن خطاب البشر العادي أو الجمهور خطاب مرحلي يتقلّص نفوذه تدريجيًّا وينحسر/أو/يظهر ويختفي، بخلاف خطاب الإمام المعصوم؛ الذي يمتلك وسائل البقاء والدّيمومة، فهو مفارق لسنن الزّمان والمكان أوّلًا، وعابر لتجليّات المعنى العادي ثانيًا، وصانع له مكونًا خاصًّا قادرًا على الاختراق لعوالم الكثافة الكتابيّة إلى مناطق الظّلال ثالثاً، وهو يحتوي في الآن نفسه على كلّ ما يتوصّل إليه الكشف في مناطق الجمالي (البلاغي)، والمنهجي (النّقدي) رابعًا، ولكن تبقى مناطق التّشكّل الما فوق– جمالي حاضرة فيه لتجعل البحث البلاغي والمناهج النّقدية في مناطق اشتغال الخطاب العادي من دون أن تهيمن على المعنى في خطاب المعصوم في حالات من الحضور والغياب؛ لأنَّ تأثير الغياب ربما يكون في الدرجة نفسها من التأثير الحضوري في تشكيل طبيعة واقع معين، أيّ أنَّ ما لا يُقال أو لا يُرى يمكن أن يكون مهمًّا في صياغة مسار أحداث المستقبل، مَثَله مَثل ما قيل أو لوحظ بالفعل، بمعنى هو في الحضور والغياب مفارق لسنن الإبداع البشري؛ فهو متجاوز لتشكّل الخطاب العادي عند الناس، وما يكشف عن مفارقة خطاب المعصوم لكلّ تلك التّشكّلات، أنَّه ينسج تشكّلات فيها من الفرادة ما يجعلها فوق مقياس البشر (العادي) في الجمالي، ومن هنا نشأت لحظة المفارقة بين (النجم والعلامات الدُّنيويّة)، والفهم الخاص بالكامل (المطّلع على العوالم)، لذلك فارق الخطاب الإمامي كلّ ما هو عادي إلى تكوينات أبعد عن عقل البشر، وذات تفرّد لم نرصد لها أيّ مثيل فقط عند الأئمّة (عليهم السّلام)، وهذا يدلّ على أنَّ خطاب الإمام الصّادق (عليه السّلام) مع وظيفته التّواصليّة له وظيفة (فوق- الوظيفة)([1])، فإنّه يحقّق الإبداع بوساطة كسر أفق التّوقع لدى المتلقّي في موارد عديدة بما يميّز خطابه من عُلُو الشأن؛ كمًّا وكيفًا ونصًّا وروحًا، فضلًا عن الحمولة المعرفيّة ذات الأبعاد الدلاليّة المتشعّبة؛ وهذا يرجع إلى مناط المهام للإمام بوصفه حاملاً للرسالة، ومما يجعل من (( النصّ الدّيني ليس مجرد إبداع للدماغ فقط، بل هو أيضاً فعل في التّاريخ، فعل امتدادي يحمل طابع السّيطرة المطلقة على الأفكار الأخرى،  وهو رؤية، أو يحمل رؤية ذات نزعة نهائيّة للعالم تفسّره وتغيّره))([2])، وهذا التّراكم من الخطابات محكوم بمراعاة اختلاف الدّرجات التي توجب البيان؛ لأنَّ الخطاب ليس لدرجة واحدة بل لدرجات من النّاس، فالإمام يخاطب درجات وعقولًا مختلفة، لذا لم يبنِ خطابه على مستوى فكريّ واحد، بل رُوعي الفروق بين النّاس، بمعنى أقرب، فأنَّه ينظر إلى مقتضى الحال والمقام المطلقين، فضلًا عمّا يعكسه من المكنون الرّوحي للإمام، لننتهي إلى حقيقية مفادها أنَّه (( سواء أكان هذا النّصّ شفهيًّا أم مكتوبًا، فإنَّه يمثّل حقيقية مباشرة للفكر والشّعور))([3]) عند الإمام، وهذا يجعله ذا ديمومة وحيويّة متجددة بتجدّد التّحوّلات فيه، ولندخل لموضع خلافي واحد حول فهم خطاب الصادق المرتبط بحياته والأئمة (ع)، إذ ينماز خطاب الإمام بأنَّه خطاب لكلّ الأزمنة والعقول، وأنَّه يدور في فلك الحقيقة والمجاز، ولا يمكن للمجاز تحت أيّ فهم أن يغادر منطقة المغيّب من النّصوص، فكلّ نصّ فيه مغيّب لا يمكن الوصول إليه إلاَّ عبر فك التّشفير الذي ينطوي عليه النصّ، فالنّصوص بشكل عام تخلو من البراءة، وتكون في أغلب أحوالها تمارس التّضليل على القارئ، فـــــ(( الكتابة عمليّة ذئبيّة تعيش في قبر يتشكّل من ظلمة لا ينفلت منها إلاَّ بأصياد للغة يُخرج القول من الفعل، ويُنقذ الجدّة والطفلة من الظّلام الدّامس، الكتابة ذيل مشتعل يقود صاحبه الى جحيم اللّذة، أو إلى نعيم الشّقاء، الكتابة ظلّ يمتدّ على الذّات، يلتصق بها ويخرج منها في ذات الوقت))([4])، ويتمّ ذلك بحبس المعنى، أو جزءاً منه في نطاق المحتقب/أو/المُضمَر الذي لن يصل إليه القارئ العادي بل القارئ النّموذجي المتمرّس في الكشف عن المعنى واستبطاناته، ومناطق المغيّب تتشعب وتتعمّق؛ لذلك كلّ قارئ يصل إلى جزء منها بحكم ما ارتكز عليه من معرفة، أسوق على ذلك الاختلاف في تفسير النصّ القرآني قال تعالى: ((وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ))([5])، فماذا يقصد بــ(العلامات، والنّجم)؟، وهنا يحصل الخلاف بين مذهب وآخر في نصّ قصير جدًّا يُعرف عنه أنَّه ورد في سياق يقود إلى معنى معيّن، ولكن عندما سُئل الإمام الصّادق (عليه السّلام) عن فهم الآية وتفسيرها قال:(( النّجم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والعلامات هم الأئمّة (عليهم السّلام)))([6])، ويعقّب المازندراني (ت:1081هــ) بالقول:(( إطلاق النّجم على رسول الله، وإطلاق العلامات على الأئمّة يقرب أن يكون من باب الحقيقة؛ لأنَّ النّجم في الأصل: الظّاهر والطّالع، والأصل. والنّجوم: الظّهور والطلّوع، وهو (صلى الله عليه وآله) ظاهر من مطلع الحقّ، وطالع من أفق الرّحمة، وأصل لوجود الكائنات، أخرجه الله من نوره، وأظهره من معدن علمه وحكمته، وجعله نوراني الذّات والصّفات؛ لرفع ظلمة الجهالة في بيداء الطّبائع البشرية، وفيفاء اللّواحق النّاسوتيّة. والعلامة ما يُعرف به الشّيء، ومنه علامة الطّريق التي وضعها صاحب الدّولة، والشّفقة على خلق الله تعالى؛ لئلّا يضلّ المسافرون، والأئمّة (عليهم السّلام) علامات للطرق الإلهية، والقوانين الشّرعية، والنواميس الرّبانية، وضعهم النّبي (صلى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى؛ لئلّا لا يضلّ النّاس بعده بالاهتداء بأطوارهم، والاقتداء بآثارهم))([7])، وهذا فهم خاصّ للقرآن، فيه مغادرة لسطح الكلمات إلى عمقها الكاشف عن دلالات جديدة في النصّ القرآني، من غير أن تكون محتملة على أذهان الطّرف الآخر؛ الذي قاده فهمه القائم على المعرفة بالمعنى المعجمي (القسري) للكلمات والألفاظ وهو الفخر الرازي (ت:606هــ) عندما وقف لتفسير هذه الآية، إذ يقول:(( المراد بالعلامات معالم الطّرق، وهي الأشياء التي بها يهتدي، وهذه العلامات هي الجبال والرّياح،...والمراد بالنّجم الجنس، كقولك: كثر الدّرهم في أيدي النّاس، وعن السّدي هو الثّريا، والفرقدان، وبنات نعش، والجدي))([8])، ولابدّ من بيان أمر بغاية الخطورة؛ فهم النصّ عند المذهبين ولّد تفاوتاً في المعنى قاد الى التعرّض، فالأوّل: ذهب إلى القول بأنَّ النصّ حقيقة، والثّاني: قال بأنَّه حقيقة، ولكن الحقيقة الأوّلى فارقت الثّانية من ناحية النّاتج عن المداليل، الحقيقة الأوّلى ولّدت الفهم بأنَّ تحت المعنى ظلال للمعنى فتجاوز المعنى المعجمي للألفاظ، والثّاني: اعتمد المباشرية المعجمية للألفاظ، وقادته الفهم إلى الدّلالات المعجمية، وهنا يحتاج القارئ إلى الوصول إلى الفهم الحقيقي للمعنى وبمن يأخذ.

المصادر والمراجع

-القرآن الكريم.

-الأسلوبية في النقد العربي الحديث (دراسة في تحليل الخطاب)،فرحان بدري الحربي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،بيروت،ط1، 2003م.

-أصول الكافي، مُحمَّد بن يعقوب الكليني (ت:328 أو 329هـ) دار المرتضى، بيروت،ط1 ،2005م.

-التّفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، الفخر الرّازي (ت:606هــ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1992م.

-سلطة النصّ، عبد الهادي عبد الرحمن، دار سينا للنشر و مؤسسة الانتشار العربي،ط1، 1998م.

-الشّاعر وظلّه في مفهوم الشّاعر وكتابة القصيدة، أحمد العمراوي، دار الأمان، الرّباط، ط1، 2004م.

-شرح أصول الكافي، مُحمَّد صالح المازندراني (ت:1081هـ)،تعليق: الميرزا أبو الحسن الشّعراني، تحقيق: السّيد علي عاشور، مؤسسة التّاريخ العربي، ودار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 2008م.

 

 


 

([1]) (فوق - الوظيفة): هي سمة ترتبط بقدرة الخطاب على الانفتاح الدّائم على التّطور والتّحول، وهو أمر  يجعل الخطاب ملائماً لتقدّم الإنسانية، ينظر: سلطة النصّ: 8. 

([2]) سلطة النصّ: 36-37 . 

([3]) الأسلوبية في النّقد العربي الحديث (دراسة في تحليل الخطاب): 36 . 

([4]) الشّاعر وظلّه في مفهوم الشّاعر وكتابة القصيدة:9. 

([5]) سورة النّحل:16.

([6]) أصول الكافي:1/206.

([7]) شرح أصول الكافي:5/260-261.

([8]) تفسير الفخر الرازي:20/10.