المقالة الحاصلة على المركز الأول في مسابقة أسبوع الإمامة
ثمّة خطّان يتوزّعان البلاغة التراثيّة العربيّة منذ البواكير وصولاً إلى منطقة (النزعة التعليميّة) ومنطقِها، أي قبل تلك اللحظة التي أخذت فيها البلاغة تنزع نحو المدرسيّة الجافّة، هما – بحسب رأينا – : (بلاغة النصّ)، و(بلاغة القاعدة)، الأوّل يغطّي زمن البدايات، وهو في حقيقته المادّة الخام للخط البلاغيّ الآخر، الذي أسميناه: (بلاغة القاعدة)؛ وهو نزوع نحو المدرسيّة، والتقعيد، وخلق المعيار بالاستناد إلى أدبيّات أنتجتها (بلاغة النصّ) .
إنّنا نعني بتيّار (بلاغة القاعدة)؛ ذلك النزوع المدرسيّ الواصف، الذي نجده في الملاحظات التأسيسيّة لأدبيّات البلاغة العربيّة المنتشرة في مدوّنات التراث زمنَ البدايات، والذي حاول أن يرسمَ مسار هذه البلاغة، ويُحدّد طرق الكتابة فيها؛ لتتمكّنَ – فيما بعد - من تشكيل النصوص الإبداعيّة، على نحوٍ معياريٍّ، عِبر محاكاة طبقات البلاغة العليا المتجلية في النصوص ذات الخصب الفنّي.
إنّ أهم الحدود التي يمكن أن نضعها للتمييز بين التيارين السابقين، تُمثّلُها ثنائيّة عامّة، هي ثنائيّة (النظريّة والتطبيق)، فالطرف الأول في هذه الثنائيّة، دالٌ على نزعة التقعيد والتأطير، ووضع الحدود النظريّة المدرسيّة، واستنباط المعايير والقواعد، التي تؤسّس لمنظومة فكريّة نظريّة قابلة للإجراء والتطبيق، والطرف الآخر هو فعل الإجراء الإبداعيّ نفسه، بمعنى أنّه التمثيل العمليّ للقاعدة، هو النصّ الجماليّ نفسه، الذي يأخذ بروح النظريّة، ويطبّق قواعدَها وقوانينَها؛ لتحقيق إنتاجيّة نوعيّة، تنمو وسط بيئة صالحة بلاغيّاً؛ سعياً وراء تحقيق الخصب الجماليّ.
ثمّة أسئلة مركزيّة تُثار هنا في محاولتنا المقاليّة هذه أهمّها:
- ما علاقة الإمام الصادق بالنشاط البلاغيّ؟
- ما درجة تأثيره في مُنَظِّرِي تيار (بلاغة القاعدة)؟
- ما أثرُ مَن تأثَّرَ به في خطّ سير البلاغة العربيّة؟
لاشكّ في أنّ مثل هذه الأسئلة الخطيرة، لا يمكن المجازفة بتبنّي إجابات جاهزة ومجانيّة لها، من دون الخوض في تحقيق يحاول أن يكشف النقاب عن حقائق تاريخيّة بلاغيّة.
لقد أغفل العقل الجمعيّ العربيّ الحديث، الذي قرأ البلاغة التراثيّة قراءات آيدلوجيّة مسلّحة بفكر مبرمج تجاه زاوية نظر معيّنة ضيّقة، دورَ الإمام الصادق – عليه السلام - في التأسيس لتيار بلاغيّ فاعل، قامت على مبتنياتِه مدارسُ البلاغة التراثيّة المعتدلة، قبل أن تدخل في حقبة الجمود المنطقيّ، الذي عُني – وبالغ في ذلك – بالتعريف والتفريع والتقسيم والتنظير، وعمل على مَنْطَقةِ المفهومات، وتجميد معاني المصطلحات وتضبيبها، على يدي السكّاكي (ت626هـ) ومن تَقَيَّلَه وسلك سبيله، ويُمكن لنا أن نُسمّي التيار المعتدل الذي وضع دعاماته وأسسه الإمام الصادق – عليه السلام – في القرن الثاني للهجرة، بـ(مدرسة المعنى)، وقد تتلمذ على هذه المدرسة منظّرون بلاغيّون كبار، سنأتي على ذكرهم، بعد أن نكشف عن بعض ملامح هذه المدرسة البلاغيّة التقعيديّة عبر استشراف خطابات الإمام الصادق النظريّة في ميدان البلاغة وما يُجاوره.
تقوم البلاغة عند الإمام الصادق – عليه السلام - على دعامتين أساسيّتين أو مبدأين جوهريّين هما :
- المعنى
- الاقتصاد اللغويّ (الإيجاز غير المُخلّ)
ويظهر ذلك للمتمعّن فيما طرح – عليه السلام - من منظورات تقعيديّة في معرض خطابات الوصايا التي وصلتنا عنه، أو جواباته الموجزة البليغة عن بعض الأسئلة المهمّة في التأسيس البلاغيّ، فقد عرّف – عليه السلام - البلاغة في وصيَّته لأبي جعفر محمّد بن النعمان الأحول المعروف بـ(مؤمن الطاق) بقوله : ((ليست البلاغة بحدّة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنّها إصابة المعنى، وقصد الحجّة)).
وحدّد أسس تحقّق صفة البلاغة في الكلام في حديثه الذي سمّاه أتباع مدرسة أهل البيت – عليهم السلام – بـ(نثر الدرر) بالقول: ((ثلاثة فيهنّ البلاغة: التقرُّب من معنى البغية، والتبعُّد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير)).
وقال في معرض ردّه على سؤال ما البلاغة؟ : ((من عرف شيئاً قلَّ كلامُه فيه، وإنّما سُمي البليغُ بليغاً؛ لأنّه يبلغ حاجته بأهون سَعْيَه)).
إنّ الأقوال السابقة تدور كلّها على تأكيد دعامَتَي البلاغة اللتين أشرنا لهما قبل قليل، وهما : (المعنى) ، و(الاقتصاد في اللغة)، فالبلاغة في ضوء هذا الطرح: فعل إبداعيّ وظيفته الأولى التوصيل، وما بعدها زوائد تحسينيّة، تأتي لتؤدّي وظائف ثانويّة بحسب سلّم الأهميّة البلاغيّة، وتُؤدَّى هذه الوظيفة المركزيّة بوسيلة هي (الإيجاز اللغويّ غير المخل)، وكلّ ما يتّصل به من مبادئ فنيّة أخرى، وتأتي الوظائف الأخرى لتكون كالمكمّلات للوظيفة الأم – أعني وظيفة الإيصال -؛ لأنّ الغاية الفطريّة للكلام هي الإفهام، وكلّ الأدوات الأخرى تعمل على تحقيقها، لذا نجد أنّ المنظورات البلاغيّة التي أسّست البدايات، كانت بعيدة عن (حديث الزخرف)، الذي صاحب (الترف البلاغي) بعد أن دخلت الحضارة العربيّة في عصر الترف الماديّ والمعنويّ، وهي – أعني المنظورات البلاغيّة التأسيسيّة - تمثّل صورة الواقع الحضاريّ العربيّ قبل تحوّلات الاختلاط والتمازج والمثاقفة مع عقول من بيئات أخرى، حرّفت مسار البلاغة العربيّة فيما بعد، وانتهت بها إلى الجمود .
لقد تأثّر التفكير البلاغيّ العربيّ الواعيّ بطروحات الإمام الصادق– عليه السلام – لاسيّما في ما أسميناه بـ(مدرسة المعنى)، وظهرت آثار هذا التأثير جليّة على تفكير رموز بلاغيّة في تاريخ النظريّة البلاغيّة عند العرب، وقد تضيق صفحات هذا المقال إذا ما دخلنا في تفصيلات تلك التأثيرات، إلّا أنّنا سنقف عند بلاغيٍّ شكّلَ مدرسةً لوحده، وهو أبو الحسن علي بن عيسى الرّمانيّ (ت386ه) صاحب الرسالة البلاغيّة المشهورة الموسومة بـ(النُّكت في إعجاز القرآن)، والتي تُعدّ مصدراً بلاغيّاً رائداً مارسَ سلطةً تأثيريّةً قوّيّةً على المدوّنات البلاغيّة التي جاءت بعده، يقول الدكتور علي عشري زايد – وهو مِن أهمّ مَن أرّخ لمناهج التحليل البلاغيّ التراثيّة - : ((وليس أدلّ على عمق تأثير هذه الرسالة على مسار التأليف البلاغيّ والنقدي من عدد البلاغيّين والنقّاد الكبار، الذين نقلوا كثيراً من آراء الرمانيّ ونظراته البلاغيّة والنقديّة في هذه الرسالة، حتّى أنّ بعضهم نقل أبواباً برمَّتها من النُّكت)).
وتفيد كثير من المصادر أنّ الرمّاني كان شيعيّاً، ما يزيد – عندنا – درجة إمكانيّة قربه من فكر الإمام الصادق، ومنظوره البلاغيّ، ويُفسّر لنا تبنيه أفكار (مدرسة المعنى) التي أسسها الإمام، ولعلَّ تطويره لها، وممارسته سلطة تأثيريّة على أسماء بلاغيّة كبيرة، كالباقلانيّ، وابن سنان الخفاجيّ، وأبي هلال العسكريّ، وابن رشيق القيروانيّ، وغيرهم ممن ذكرهم الدكتور علي عشري زايد، خير دليل على عمق تأثيره في المسار البلاغيّ العربيّ، وتأثُّره بالإمام – عليه السلام -، بمعنى أنّ منهج الرمّاني المنتمي لمدرسة الصادق – عليه السلام – البلاغيّة اكتسب كثيراً من قوّته وسطوته، من المبادئ التي تبنّاها، وعمل على توسعتها .
وربما يُشكّل هذا الكلام علامات استفهام وتعجّب كبيرة عند الآخر، فمسألة تشيّع الرمّاني، وترجيح عدم (اعتزاليّته) التي تقول بها معظم المراجع الحديثة التي تؤرخ للبلاغة التراثيّة، تمثّل صدمةً للتفكير الضيّق، الذي ينظر لكلّ الأمور بمعيار مذهبيّ متحيّز، يعمل على تهميش الآخر التابع لمدرسة أهل البيت، حتى وإن تطلّب الأمر التلاعب بالتاريخ، وتغيير هُويات الرموز الثقافيّة الحقيقيّة، وبغض النظر عن المعيار المذهبيّ المتحيّز، فإنّ المنطق العلميّ الذي يبحث عن حقائق الأشياء بحياديّة، يكشف تأثّر الرمانيّ بفكر الإمام الصادق البلاغيّ بيُسر، عبر ما تسرّب من مبادئ (مدرسة المعنى) البلاغيّة التي وضع أسسها الإمام في أقواله النظريّة لأفكار الرمانيّ في (النّكت)، فهو - أعني الرمانيّ - يتبنّى للبلاغة تعريفاً قائماً على مبدأ (المعنى) حين يقول بأنّها : ((إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ)).
فهذا التعريف يقوم على ركيزة أساسيّة، وآلة تعمل على خدمتها، فأمّا الركيزة فهي (الإيصال)، وأمّا الآلة فهي (الصورة اللفظيّة)، أي الإناء الشكليّ الذي ينضح بالمعنى، وفي الشق الأول من التعريف يتبنّى الرّمانيّ العماد الأوّل لبلاغة المعنى عند الصادق – عليه السلام -، وأمّا في الشق الآخر من التعريف، فهو لم يبتعد كثيراً عن هذه المدرسة أيضاً؛ لأنّ من أهمّ معايير حسن الصورة اللفظيّة التي تُوصِل المعنى بلاغيّاً، تحقيقُها للاقتصاد اللغويّ، وحضورها بشكلٍ مبني على الإيجاز اللفظيّ، فكلّما ضاقت العبارة اتَسعت الرؤى، وتعددت المعاني، لتصل إلى ذهن المتلقّي – بذلك – بلمحة خاطفة، بعيداً عن التطويل المُمل، فينتشي بلاغيّاً بأقلّ جهد.
وللتأكيد على حضور نسق (بلاغة المعنى) الصادقيّة، في بلاغة الرّماني بقوّة ووضوح، نلفت النظر إلى أنّه بدأ - لحظة الشروع في طرح أقسام البلاغة العشرة عنده - بباب (الإيجاز) الذي هو عنده : ((تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى))، وهذا هو – كما بيّنا – المبدأ الثاني من مبادئ (مدرسة المعنى).
لقد كانت آراء الإمام الصادق النظريّة في البلاغة من أهمّ نقولات المدوّنات البلاغيّة، بل من أهمّها في هذا الباب، لكنّ العقليّة المذهبية الضيّقة هي التي تدعوهم لمحو الاسم، ونسبة الكلام لغيره، أو تعميمه بقولهم : (قال أعرابي)، على أنّ شمس الحقيقة لابدّ أن تبزغ، وإن حاولوا إطفاء نورها، فهذا ابن عبد ربّه الأندلسيّ ينقل في (العقد الفريد) ما نصّه: (( وقال جعفر بن محمّد عليه السلام : سُمّي البليغ بليغاً؛ لأنّه يبلغ حاجته بأهونِ سَعْيه))، وقد نقل هذه الرواية وغيرها بلاغيّون آخرون، كصاحب كتاب (نضرة الإغريض في نصرة القريض) وغيره .
وهكذا يثبت عندنا بالدليل النقليّ، أنّ تنظيرات الإمام الصادق – عليه السلام – التقعيديّة التأسيسيّة، صِيغت فيما بعد على شكل قواعد معياريّة للبلاغة المدرسيّة العربيّة في طورها المتوهّج على يد الرّماني، لاسيّما أنّها شاعت في حقب الصيرورة البلاغيّة نهاية العصر الأمويّ وبدايات العصر العباسيّ، حين بدأ العقل العربيّ يتعرّف للتو على الطرح العلميّ المنضبط، وبدأت المصطلحات تتلمّس طريقها نحو التأطير والتحديد والتخلّص من المجانيّة في الاستعمال.
مصادر المقال:
- البلاغة العربيّة ، د. علي عشري زايد.
- البيان والتبيين، للجاحظ .
- تحف العقول عن آل الرسول، للحرانيّ.
- العقد الفريد، لابن عبد ربّه الأندلسيّ.
- نضرة الإغريض في نصرة القريض، العلويّ (656هـ)
- النُّكت في إعجاز القرآن، أكثر من مؤلف.