ضمن المجموعة القصصية: عَزْفٌ عَلَى أَوْتَار الوِلَايَة
"لا معرفة ممكنة إلا لما هو
خاص وفريد"
لويس آراغون.
السّماءُ صافيةٌ والأجواءُ هادئِةٌ كلّ شيء في هذا اليوم يدعو للتأمل، للوصول إلى نتيجةٍ فكريّة مهمّة إذا كان ثمّة صاحب عقل حائر في أمر ما، تبدو حركة النّاس أقل صخباً في الأسواق، صوتُ الحَدّاد الوحيد الحي من بين عَشَرات الدّكاكين طَرْق مُتقطّع يصدرُ من الدّكان يجتذب التّائهين لجلسة حديث بسيطة، مع رهبة الحَدّاد ذي اللّحية الكثيفة والعضلات البارزة والنّظرة الحادّة وقبضته اللامعة بالسيوف الفتّاكة، يتقدّم زيد بفضول فائض لاقتناص الفرصة المُتاحة في التّعمق بمختلف الأنواع والأصناف من السّيوف المَعروضة.
_ولكن ما لهذا السّيف المقطع ثلاث قطع ترى ما الذي جعله هكذا.
_ومن غير الحرب، أولا تدري أنّ المسلمين كانوا قبل أيّام في أحد.
_وماذا يعني هذا.
_يبدو إنّك من عالم آخر إنّه سيف علي (عليه السّلام) الذي ذاد فيه عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلّم) يوم أحد، حتّى صار كما ترى، ألم تسمع الأنباء المتناقلة أنّه عوّض بسيف أسطوري جديد خصص له من السّماء يُدعى "ذو الفقار".
بتوتر يبدأ بحك أذنه:
_ أشكّ في صحة هذا وأراكَ مبالغاً، فأنا لا أمقته ولكن لا أعتقد أنّه بالحجم الذي تتصوّرون، حتّى اليوم ما زلت أراه عاديّاً.
_لو كنت على اطلاع بتفاصيل الأمور لكنت على يقين في أنّه مختلف.
_كيف ثبت لك ذلك؟
_في اليوم الذي جاءت الأقوامُ المرعوبة مذلولة تتوسّل بحدادي المدينة فكّ الطوق الملفوف حول رقبة خالد، اليوم الذي أبى "قيس بن سعد الأنصاري" بشدّته وحزمه وجسمه النّادر أن يفكه، فجيء بالجميع إلينا ولم يكن أمامنا ونحن جمع من الحدادين المعروفين في هذه المدينة سوى احمائه بالنار، حتّى رجعوا حينها إلى علي (عليه السّلام) ففكّه، فأيقنت أنّ لعلي سراً وليس أي سرّ.
_حسنا، وماذا أفعل الآن؟
_تتبع خطاه .
_هل تعتقد أنّي سأرى ما يثبت صحة نظرك فيه؟
_والله لا أرى عنادك إلا من الشّيطان ولولا الرّفق لأدرت وجهي عنك وتركت أمرك لنفسك، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله، ليس في اليد حيلة سوى مداراتك حتّى تحصل على بغيتك، وتفتك من أسر الشّيطان المُشل لدماغك الصّخري.
سآخذك حيثما يحل الرّجل، في حربه وحبه خطبه وصلاته، يا هذا إن للرجل هذا نظرة خاصة في كلّ شيء، نظرة خالصة متفحّصة حاملة طباع الرّيح لا تُنكر أو تقاوم، كالبركان لا يمكن أن تتنبأ به، كلّ فكرة له نظرة، وكلّ نظرة له كلمة، ولكلّ كلمة له عصفة ريح لا تنقطع، إنّها فرصة كبيرة لأنْ تحقق هدفك الذي من أجله ستقبل بهذه الرّحلة، أنت حرّ ..تحسس أدواتك الفكرية اللازمة وابدأ رحلتك فالمسافرون نحوه كثر أمس و اليوم وغد.
_أتعني أني سألازمه على المدار؟
_حتّى إذا لم تكن معه سافر إليه بروحك واسأل عنه آثار الخطى، هذا الرّجل لا ينكسر يجب أنْ تعي أنّه موجود في طوايا عظامك لا تكبته داخلك، لا تكبت فضائله ولا تخفي معالمه وبطولاته قف واعترف انهض بإنسانيتك انفض روحك عن الأيام الغابرات والسّاعات اللاهثة وراء الأخبار المزيفة، لا تترد في تقبّله أبداً وارحم نفسك من سوء العاقبة التمع وابعد عن الخوف ففي حياته ستحيا أنت أيضاً.
رحلة المسجد:
في جوف اللّيل الدّامس، حيث السّكون المُعْشوشب في قلب المدينة يسير الاثنان بترقّب وحذر شديد من الأعين المُتلصصة يتفحصّون الأنفاس في المساجد المنسيّة، يقتربون شيئاً فشيئاً ثمّة أنين مُنبعث من كوّة المسجد، يقفون لوهلة يحاولون ترجمة الصّوت وكلّما غاص الصّوت في أنينه زادت حسرات منبعثة في جوفهم، تفاعل لا يمكنهم إيقافه ارتعادة تصيب صميم أنفسهم، أنين ينبعث من المسجد بحرارة النار مختلط بأوجاع الكون كافة، أنين يحمل في تردده أصوات الثكلى وأوجاع المرضى وضيم اليتامى، أنين بنكهة أوجاع عالمهم المُعاصر.
يصفر لون زيد لا إراديّا، فيجيبه الحَداد:
_ما بك إنّها بداية الرّحلة، ما زلت لم ترَ شيئاً حتى الآن؟
يقترب الاثنان أمام باب المسجد ما زال الولي في سجدته وهناك من يجلس قربه بثيابه البالية تُقرأ في هيأته الانكسار.
يتفق الاثنان على إكمال المشهد يترقبان حركة الولي وهو يؤدي طقوسه العباديّة الخاصة والشّخص جواره يرمق السّماء متنبأ بالوقت الذي اقترب من إعلان ميلاد يوم جديد، يقترب الرجل بخطاه الهادئة منحنياً يكاد يلتصق جسده بالأرض نحو الولي الراكع يمد الولي يده فيسحب الرجل خاتمه، يلتفت الاثنان ليس من أحد غيرهم في المكان فيضج زيد بالبكاء وهو يقول لا مزيد من الرّحلات بعد اليوم أيّها الحّداد.