ينحسر ضوء الشمس شيئًا فشيئًا، تتهادى لتحشر نفسها بين البنايات، نزلت لتلامس الأفق ويمتزج اللون البرتقالي مع الأصفر لينعكس لون دموي غامق على الغيوم، ولون البنفسج على السهول، تخترق نسمات هواء عليل يمرُّ على حقول الحنطة ليملأ رئتي بالانتماء، وينعش روحي من حبّ هذه الأرض ومن عليها، مع وجود شوائب الحرب وجراثيم الإرهاب التي تنتشر كالسرطان في جسد البلاد.
وصلت سيارتنا إلى طريق مغلق، وما أكثر غلق الطرق من قوّات الاحتلال، منها متعمّد وغير مبرّر إلّا في غايات نفوسهم الخبيثة لتوقد جذوة الحقد والعداء، حشرت السيارات كعلبة سردين كبيرة، ولا سبيل للخروج أو العبور، كان لا بدّ من حلّ وإلّا سنبقى هنا حتى صباح الغد، قال السائق:
ـ علينا العودة والعبور عبر البساتين إلى الجادّة الأخرى.
اعترض قسم منّا، فيما وافق القسم الآخر، فلا سبيل غير ذلك، نعلم بالخطر المحدق بنا في هذه البساتين والقصص المروعة التي كنا نسمعها، فالأعداء في كلّ مكان، والمحتلّ متعاون معهم ليوقدوا نار الحرب بين أبناء الشعب وليجلس مرتاحًا يراقب المشهد ولا يتدخل؛ لأنّه يخدم مصالحه في البقاء، كنّا أحد عشر شخصًا خمسة نساء وستّة رجال قادمين من بغداد إلى كربلاء.
توغلت السيارة في ممرّ ترابيّ ضيّق على ضفتيه قصب كثيف وأشجار الأثل الغامقة، والليل الذي أصبح موحشًا وأكثر ظلامًا من كلّ ليلة، إحساس بالعزلة التامّة وكأنّنا انتقلنا إلى عالم موازٍ آخر كلّ شيء فيه حقيقيّ إلّا أفكارنا كانت ترحل عنا تارة إلى الأمام بالتفكير في مصائرنا، وتصوّر أفلام رعب تقطع فيها الرؤوس، وتارة إلى الخلف حيث الذكريات والتفكير بأبناء وآباء وأمّهات وزوجات تركناهم على لظى الانتظار.
فجأة خرج مسلّحون ملثمون أوقفوا السيارة، وأخرجوا الرجال وتركوا النساء وأوعزوا للسائق بالرحيل بسرعة من هذا المكان، نزلنا وقد وضعوا الجامعة بأيدينا، سرنا راجلين بتلك البساتين الموحشة، وعبق الدماء وصخب الموت يحيطنا من كلّ جانب، من أشدّ اللحظات التي تمرّ على الإنسان هي تلك اللحظات الحائرة بين الخوف والترقب حينما تغدو رهينة أوباش ووحوش تفكيرهم لا يتعدّى الأكل والجنس وبراعة التعذيب والقتل، سادية ورثوها من حقب التاريخ المظلم من قابيل وفرعون وآلهة الحرب والدمار الذين حفروا بأظافرهم تجاعيدا لكوكبنا ورسموا على وجهه ملامح الشيخوخة ومهّدوا له الطريق للموت قبل الأوان.
عند مسيرنا كان الصمت سيّد الموقف إلا من همهمات رعب وحفيف أشجار تلامس أجسادنا، وأصوات آثار أقدامنا على المياه الراكدة في الأرض الطينية تتناغم مع نقيق الضفادع وتعزف سمفونية موت مع ما يدور في خلجاتنا.
لاح ضوء من بين النخيل، يلمع كالفضة بالظلام، تهامسوا فيما بينهم بقرب الوصول إلى مقرّهم، بيت كالقلعة في وسطها باحة كبيرة تحيطها العديد من الغرف الصغيرة، قبل أن نتوغل داخل البيت وضعوا على رؤوسنا أكياسًا من البلاستك سوداء تحجب الرؤيا، أوقفونا منتصف الساحة، حاولت أن أتحلى بالشجاعة لكن الرعب كان يفترس أوصالي ويكاد يظهر جليًّا في حركات جسدي، وقع أقدام تخرج من أحد الغرف، وقف بإزائنا آمرهم بلهجة إحدى الدول العربية بأن يفتشوا جيوبنا ويستخرجوا هُويّاتنا، بعد برهة من الزمن خاطب شخصين منّا:
ـأنتم روافض ومنتسبون في الجيش أيضًا، يا كلاب الحكومة الكافرة.
سمعت صوت إطلاقتين من مسدس ففزعت منها، أغمضت عيني مترقّبًا للتالية في رأسي، امتزج الخوف بالرجاء، صرخات بائسة لكنها عنيدة، قد ينتصر الموت ويخطف أرواحنا، لكن تمسكنا بآل البيت الذي سيكون سببًا في موتنا ما هو إلّا مدعاة فخر، كثير يتمنى أن يموت بهذه الطريقة ولنفس السبب أنّها عزة ورفعة، نحن محظوظون أن تكون نهايتنا من أجل حبّ عليٍّ وأولاده-عليهم السلام- قد يكون الموت مرًّا، من المؤكد في نهاية الطريق سوف نذوق حلاوته، ماهي إلّا لحظات علينا مواجهتها بشجاعة، والوقت كغيمة تذروها رياح عاتية، انطلق الصوت نفسه مرّة أخرى بأمر جديد:
-خذوهم إلى الحبس، سننظر في أمرهم غدًا.
أدخلوني في غرفة شديدة الحلكة، معتمة الدياجير، حتّى إنّي لم أعرف قياسها إلا حين ولجت فيها، ورفعوا كيس البلاستك عن رأسي، كانت مترين في ثلاثة تقريبًا، جلست أتحسّس المكان لعلّي أهتدي إلى سبيل، أو شيء أدافع فيه عن نفسي، أمسكت بكيس كبير، مدت يدي ببطء إلى داخله لمست سائلًا لزجًا، أخرجت يدي بسرعة زادت دقات قلبي، استجمعت شجاعتي، مدت يدي مرة أخرى عدت مرعوبًا إلى الخلف، ازدادت وتيرة أنفاسي بتصاعد مستمرّ:
- يا إلهي إنه رأس إنسان!!.
عدت مرةً أخرى زاحفًا نحوه تفقدته من الخارج هذه المرة، تأكدت أنّه رأس إنسان، كمّيّة الرعب تكاد تفقدني اتّزاني.. بل إنّها جمدت الدماء في عروقي..وانتفخت أوداجي..وجحظت عيناي التي كدت أبصقهما من محاجري.. استجمعت قواي حدثت نفسي:
-لا داعي للخوف والقلق فبعد ساعات قليلة سأكون في هذا الكيس، جاشت بي عاطفتي وسرحت في عالم خيالي، أستنطق منحره لعلّه يجيبني ويستمع إلى نشيجي فأنا ضيفه الليلة خاطبته:
-ماذا تفعل أمك الآن هل علمت بك؟ هل قالت (مسيت العافية عليك يايمه)؟ تحسب كل يوم طولك على الجدار..تتحسس شاربك عندما ينبت.. تشمّ عطرك المنبعث من رقبتك.. وأظنها تتساءل عن ذلك العطر أمَا زال في نحرك؟.. وزوجتك وقصر الحنان؛ لتملأَ البيت لها أولادًا يسعدونها، لقد قلبت جنتها لهيب شوق مستعرّ، تلك الأحلام التي رسمتها في لوحة أيامها البيضاء بألوان الربيع الزاهية، ما بالك اليوم أجمعت على تحويل حياتها إلى أيام خريف بالية!!.
سحبت الكيس وقربته أكثر لتتسرب قشعريرة برد في جسدي، أريد أنْ أقضيَ تلك الليلة بمونولوج وجع وحزن لعلّي أنعى نفسي قبل رحيلها، أو أشقّ من جدار صمتي منفذًا تتسربل منه روحي.. التي تكاد تخرج من بين مسامات جلدي وينقضي ذلك الوقت الذي يفصلني عن فصل رأسي.
بين أسنّة رماح القلق وقعقعة سيوف الخوف، انتقلت إلى عالم آخر، عالم من الفانتازيا يفوق الخيال، طائر ضخم يلتقط حبات الحنطة ويرميها من صحراء موحشة جدباء، ويلقي بها إلى مكان جميل يتلألأ ضياء وسهوبًا خضراء خلف سور يفصله عن هذه الصحراء، ويترك بقية الحبوب في مكانها، بالأحرى لم تكن حبات حنطة، إنّها أجساد أشخاص لا حياة فيها سوى بالرؤوس، فهي ترى وتسمع لكنها لا تتحرك، جسدي حبة قمح كبيرة من ضمن هذه الحشود، تخطاها الطائر أكثر من مرة، حاولت أن أمدّ رقبتي إليه، كأنني أقول له إنني هنا، وأخيرًا شاهدني وتأمل وجهي جيّدًا وكأنه يقرأ شيئًا على جبيني، لقمني بمنقاره بلطف ورقة، رماني بعيدًا، طرت بالهواء عاليًا إلى أن ارتطم رأسي بجدار السجن بشدة، صحوت من إغفاءتي فوجدتني محتضنًا ذلك الرأس وأنا أمام فتحة كبيرة بالجدار، إنه شقّ كبير أصبح أكثر وضوحًا حين تدلّى ضياء الفجر على ذلك المكان الدامس، قبل أن أربط بين الطائر وتلك الفتحة تذكرت أمي التي كانت متعلقة بالزهراء- عليها السلام-،وكانت تروي ذلك الحديث بلغتها البسيطة كيف تلتقط الزهراء -عليها السلام- يوم القيامة شيعتها كما يلتقط الطائر الحنطة الجيّدة من الرديئة، أظنّ أنّ توسّل أمي جعل الزهراء -عليها السلام- تلتقطني في الدنيا قبل الآخرة، حين أرشدتني إلى طريق الحرّيّة.