سيد الماء

        في إحدى الامسيات ولأسباب قاهرة، عندما كان يعمل في التصنيع العسكري، حيث كانت ساعات العمل مستمرة نهاراً ومساءاً، وقد وصل عدد ساعات العمل للوجبة الواحدة الى ثماني عشرة ساعة. كانت خطواتهم، تسير بثقل وتضرب الأرض بوهن، خطوات ناعمة لينة، وخطوات ثقيلة... لن تسمع من احاديثهم في ذلك الصباح الضاج بالهم والكدر والخنق البطيء، والمكرر عليهم كقطار بخاري يسير على سكته القديمة المتآكلة.

وعندما تعلو الشمس، وتضرب اشعتها الباهتة نوافذ الحافلة المكيفة، تراهم رقوداً كأنهم موتى، محنطين على المقاعد الوفيرة التي تنقلهم الى العالم الآخر، يستيقظون فجأة عندما تقف الحافلة الى كراج المنشأة وهي نهاية الرحلة اليومية الابدية.

يستيقظون فزعين لذلك التوقف الرهيب، وتتوقف دقات قلوبهم ويتمنى أي شخص منهم، ان يبقى في حلم طوال هذا اليوم حتى لا يصل الى المكان، وآخر راودته فكرة لو ان يتغير اتجاه سير الحافلة الى أي مكان آخر، حتى وان كان خطيراً، المهم ان يتغير الاتجاه ويفقد سكته المعلومة ويخرج منتصراً على قدره المحتوم، وآخر يتمنى ان تنقلب الحافلة في الطريق العام وهم ذاهبون وليسوا براجعين.

غابة من الاقدام تتراصف يومياً أمام نقطة التفتيش، تفتيش دقيق، ماذا تحمل ...؟، ماذا تأكل ...؟، ماذا تشرب...؟، ماذا حلمت ليلة الأمس...؟، ماذا في الجيوب...؟ ماذا في القلوب...؟، ماذا في جوفك...؟، ماذا في فمك المقطوع اللسان ...؟، ماذا في ذاكرتك المعطلة منذ عصر السقيفة...؟، ماذا تخبئ في ضميرك العاطل ...؟، ماذا تسمع في أذنك اليسرى المبتورة...؟. كل شيء ممنوع... ممنوع والعتب مرفوع، ونفـذ ثم نفـذ ولا تناقش. 

وقبل أن تدخل الجهاز الآلي في نهاية المطاف، يجب عليك ان تخلع نعليك، لأنك في الوادي المقدس، وعندما تخرج من الجهة الثانية عارياً كما خرجت من بطن أمك، لن يبق شيء تستطيع أن تخفيه عنهم إلا ما في الضمير والذاكرة المعتقلة في غياهب هذا السجن الكبير.

يحدث هذا يومياً، وبنفس المقدار، أو قد تزيد في يوم آخر عندما تصل برقية الى حماية المنشآت (( توخي الحذر والدقة  في التفتيش)). 

يسير القطيع بصمت، إلا من همهمات قد تعلو من هنا أو هناك أو همسة هي قريبة للشكوى بعيدة عن التذمر تنسحق هذه التذمرات وتغلق الافواه بكمامة محكمة ويتم تفريق هذا القطيع بالعصيّ الى اقسامه.

وهم يتحاورون فيما بينهم بعيداً عن أعينهم المزروعة في كل مكان، في ورشات العمل وفي الحافلة، في الشارع، في الاقسام الإدارية والخدمات والمطعم اضافة الى المخازن. في دورة المياه، في البيت، في العائلة حتى في مخدع الزوجية، فقال له صاحبه وهو يحاوره سراً:

- كيف ذلك ؟

- هذا هو حالنا وحال الدنيـا 

- التحدي، الكرامة، حقوق الانسان ، الإرادة

- لا شيء يغني ... لا شيء

- هل نبقى نسير مع القطيع بصمت؟... ولكن الى متى ؟

- قد تطول الرحلة المزرية... أو تقصر لا اعلم ولكن يجب ان نسير ... 

- هل من توقف ... ادراك أو موقف ؟

- لا شيء من ذلك... قد يكون القطيع أحسن منا حالاً 

- كيف ذلك ... كيف ؟

- لأن القطيع عندما يعتريه الضجر من المسير يثغوا بصوت واضح ومسموع 

- ونحن نهمس بصوت لا نكاد أن نسمعه

- انه الموت والسقوط في هاوية رهيبة

- الموت أهون من العيش بذلّة

- وهل نفرق بين العّز والذَل ؟

- لا فرق... لا فرق بين الموت والحياة 

- كفى خضوعاً واستكانة وتقبيل الايادي القذرة الملطخة بدماء الابرياء

- لا بأس من ذلك.... الغاية تبرر الوسيلة 

- ولكنك تنغمس كل هامتك في بئر مليء بالخبث والاحتقار والبؤس والقاذورات، والمستنقعات الآسنة منذ ردم نهر الجنة.

- وهل هناك بؤس واحتقار اكثر من وضعنا الذي نعيشه ؟

- لا اعرف ... أنك اليوم تكلمت كثيراً !

- بل تكلمت القليل.... وهناك الكثير ... الكثير ولكن للحيطان آذان .

- لكن الصمود يصنع النَصرْ ...

- من الذي يصمد... ومن بيننا يتحمل الاهانة والموت البطيء.

- الاهانة نتقبلها جزافاً ... والموت نخافه...

- لكن اين القيم والمبادئ ؟

- سٌحِقَتْ تحت عجلات الزمن العاهر

- خسئت وثكلتك أمك... لن تُسْحَق المبادئ ابداً،  أنها باقية نابضة في اعماق الوجدان،

الانسان عبارة عن مبادئ.

- رجعنا للمبادئ... أي مبادئ ايها الضمير المناضل؟    نحن نريد ان نعيش فقط.

- تريدنا ان نعيش كحمار الناعور، يبقى يدور ليل نهار معصوب العينين وفاقداً للسمع، ويبقى يدور بصمت، والمياه تجري وتتدفق في الفروع والجداول والسواقي، الحمار يدور في دائرته كساعة كنيسة قديمة عمرها قرون وتجري المياه راكضةً تنبض بالحياة نحو المساحات الشاسعة، لتروي العطش القاتل وترطب الشفاه اليابسة، وتنظف الايادي القذرة والحقيرة، والايادي والاجسام الطاهرة.

ويبقى ابو صابر يدور، والمياه تنتشر في الأرض اليابسة والقاحلة وتتحول الصحراء الى جنةٍ خضراء تطرح الثمار اليانعة والطازجة.

وتقدم الى الحمار وجبته المعتادة من العلف والشعير والتبن وبقايا من الخبز اليابس... ويعلقون وجبته في كيس مُدلى في رقبته حتى يبقى يدور ويأكل اثناء الدوران.

في إحدى المرات توقف الحمار عن الدوران، وجرت عدة محاولات لاقناعه عن الاستمرار في الحركة، في تلك اللحظة نَهَقَ الحمار رافضاً الوضع ومحتجاً على المعاملة وانتحرْ ...!

تصور حتى الحمار انتحر من هذا الروتين القاتل، وانتم لازلتم تسيرون بصمت مع القطيع، مرت بكم خمس وثلاثون سنة ضوئية لم يتغير حالكم ولم يتسنه غذاؤكم، تمر بكم السنين كعربة تجرها خيول هزيلة وانتم على هذا الحال. 

منذ شروق الشمس وارتفاع قرصها، يعلو معها ضجيج الآلات والمكائن الضخمة كأنها حيوانات خرافية ، لها أذرع متعددة، أو كالديناصور جائعة تصرخ تريد المزيد من الضجيج والاصوات الحادة العالية التي تصيب الأذن الوسطى وتؤدي الى فقدان السمع، فتتداخل الاصوات لتصنع صوتاً ضخماً جداً وهم يتحركون كخلية نحل لا يحسون بهذه الضوضاء لأنهم تعودوا عليها، وجوه صفراء مطلية بزيت المحركات ورائحتهم تشبه رائحة الموتى الذين ينهضون فجأة في يوم كيوم الحَشَرْ كل شيء في حياتهم آلي، يأكلون بآلية، يسيرون بآلية ، يضحكون بآلية ، والوجع الذي يسكن داخلهم وصل حتى العَظْمْ .

في تلك الحقبة المظلمة في العشرين من حزيران عام (1999) جاءهم انذار ، إلى كافة الدوائر والاقسام بإلغاء اجازات الموظفين والعاملين مهما تكن الاسباب ، وكان هذا الانذار ملازماً لزيارة الاربعين من كل عام.

فتخلف ذلك اليوم عن المسيرة الراجلة الى كربلاء، التي كان مواظباً عليها طوال حياته، حتى عندما كان في الخدمة العسكرية الالزامية، حيث كان مكتوباً في دفتر خدمته، مدة الخدمة العسكريـة للخريجين، سـنة وتسعة أشهر، لكنهـا امتدت الى ثمان سنوات وثمانية اشهر وثمانيـة أيــام ...! 

ويذكر ذلك اليوم في الجيش عندما لم يمنح اجازة اعتيادية عندها ذهب الى العيادة الطبية، وادعى انه يعاني آلاماً حادة في سن العقل رغم يقين الطبيب المعالج بعدم صحة ادعائه إلا أنه اصَرَ على قلع هذا السن اللعين، وأخذه اجازة مرضية لمدة اثنان وسبعون ساعة فقط ليمارس طقوسه مشياً على الاقدام .

في ذلك اليوم الذي تخلف فيه عن الزيارة، نام نوماً قلقاً متقلباً ذات اليمين وذات الشمال وأمرأته متيقظة تحس به وعندما أرخى الليل سدوله، عرجت روحه الى عالم الرؤيا فإذا به يرى نفسه قد انتقل فجأة الى واقعة الطف، مجسدة بزمانية الحدث، خيول تعدو مسرعة، والمكان يضج بصهيلها، وصليل السيوف والدروع، وصرخات تعلو هنا وهناك، ودماء تسيل، وعويل اطفال ونساء يطلبن جرعة ماء ما بين آنين وعويل وصراخ وبكاء وغبار، أجساداً على الثرى مثخنةً بالجراح، وحرمٌ تباح، أعضاء بشرية موزعة على ساحة المعركة، الشمس تضرب اشعتها المستقيمة كشلالات نيران، تحول المكان الى لهب وحرائق لا تطاق اشلاء من ايادي غضة بعمر الورود، أجسادٍ مبعثرة واعضاء مبتورة وسواعد ناعمة وحدقات ممزقة، صوت معركة، حوافر الخيل، التقاء السيوف، صيحات الرجال وسط المعركة، الفاجعة كبيرة تهتز لها أركان السموات والأرض وصمت مطبق يغلف الكون. وإذا بصوت رهيب لفرس الميمون وهو يمزق جسد التاريخ المسجى على دكة الموتى منادياً ... الظليمة ... الظليمة وكان الميمون يتحاور مع الثكالى حتى يأخذ بثأر السماء والوتر الموتور... والنور الذي سار في الاصلاب الشامخة والارحام المطهرة.

ولكن الميمون عندما علا صوت جريان المياه كأنها شلال، يأبى أخذ جرعة من الماء، وهناك على صفحة المياه الدافقة تطفو كفان مقطوعتان لسيد الماء، فيسرع الميمون... وتسرع الموجات فيسرع الميمون فتسرع الموجات وتسرع وتعلو موجة، اصبر ابد الدهر لا تزال تتحول خطوات الميمون وبسرعة فائقة يتحول جسده الى موجة ضخمة عالية متلاطمة تروي ظمأ الرضيع، ولم تسقط قطرة على صحراء حقدهم وخبثهم الاسود. 

وعندما ترى شلالات الدماء المقدسة ترنو ببصرها الى السماء شاكية باكية فتنزل دموع العقيلة مدراراً. تراقب الميمون وقد سقط سرجه وهو يقترب من الجسد الطاهر... وعندما يصل يمرغ رأسه بدمائه الزكية وهو يصيح ألا من ناصر ينصرنا، أما من مغيث فيغيثنا. ارتفعت تلك الاستغاثة الى السماء السابعة، أجابت آنذاك بالتلبية جميع ملائكة السماء والأرض والجن والأنس ورددت صداه أرواح الانبياء والرسل والاوصياء. 

وعندما سمع تلك الاستغاثة ... استل سيفه وأخذ يقاتل قتال الابطال الذين كانوا يلبون نداء الخطيب وهو يقول ( يا ليتنا كنا معكم سادتي.... فنفوز فوزاً عظيماً ) وها هو لبى النداء حتى يأخذ بثأره من الذين كانوا يمنعونه من الزيارة وادرك في قرارة نفسه هذه الفرصة لا تأتي لأي شخص فرصة العمر والفوز مع ثورة الاحرار. وظل يقاتل بهمة ودفاع مستميت عن مبادئ وقيم السماء حتى كانت الجراح تأخذ مأخذها من جسده المتعب وهو على هذا الحال ينزف كثيراً... كثيراً.. إلى أن استفاق من نومه على صوت زوجته وهي تناديه بصوت نحيب بعدما رفع صوته مجلجلاً في فضاء البيت الصغير ... وهو يردد... أن السماء بكت اربعين يوماً بالدم، والأرض بالاسوداد والشمس بأن تشرق وتغيب حمراء اللون والجدران ملطخة بالدماء ساعة طلوع الشمس وحين غروبها... وبعد هنيئة صاحت به... زوجته وللمرة الثانية يا ويلاه... لماذا اصبح قميصك ممزقاً .. مخضبا بالدماء.... ؟